كتاب وأراء

المتربحون من الأزمة

لعل هذا المفردات القليلة في مقالي قد تزعج البعض ولعل ما بين السطور يجعل من يعتبر نفسه متربّحاً من الأزمة هو المعني بالمقال.. وحقيقة لن أقدم العذر لهذه الفئة التي تعتبر نفسها الواقع الجديد والفعال في عالم التسويق الاجتماعي، بينما يرى بعض المحللين أنهم فقاعة وستنتهي على الأقل في ما يتعلق بتربحهم من الأزمة، ولأن الإعلام كم هو معروف مرئي ومسموع ومقروء فقد باتت وسائل التواصل أو السوشال ميديا واحدة من وسائل الإعلام المؤثر لكنه بالمقابل بات نوعاً من الإعلام غير المسؤول الذي يمكن أن نجده يخترق صدر الوطن مستخفاً بالأزمة في سبيل الاستفادة الشخصية.. فالمجتمعات تمر بالعديد من الأزمات والتحديات في وقت يتحين فيه البعض وقوعها لاستغلالها والمتاجرة بها بحثاً عن مكاسب مادية ومعنوية تخدم أهواءه وأطماعه.
وهؤلاء هم «تجار الأزمات والمتربحون منها»، فهم اختلفوا في أهدافهم ووسائلهم وتشابهوا في انعدام ضمائرهم وتخليهم عن كل القيم والمبادئ الإنسانية والأخلاقية، وهؤلاء وجودهم بات هو الأزمة والخطر الذي يهدد كيان أيّ مجتمع يحاولون أن يؤثروا فيه ويستفيدوا منه بكل الأساليب الممكنة وغير الممكنة.
ويمكن القول إنَّ بعض هؤلاء نجح في تصدر الحضور الإعلامي، بحثاً عن تحقيق الشهرة وحب الظهور تحديدا في وقت الأزمات، كما أنَّ منهم من وجدها فرصة لدس أفكاره التخريبية وبث سمومه وتفريغ أحقاده، والبعض الآخر من هؤلاء تفرّغ لجشعه وطمعه حتى بات يتمنى أن يطول أمد هذه الأزمة أو تلك ليزيد أرقام أرصدته على حساب جيوب الآخرين.
ولعل السؤال الذي يطرح نفسه، هل طغيان المصالح الفردية أهم من الوطنية وهل الوطنية لها مقابل مادي تماما كما تشتري سلعه وتقايض عليها أو تزايد على سعرها!! لعل تجار الأزمات فئات لا يهمها النتيجة النهائية لمناقشة أيّ أزمة تحدث في المجتمع بقدر ما يهمها شهرتها ناهيك عن أن من يقوم بنقاش القضايا ليس هدفهم حلها بقدر ما هدفهم مجرد تداولها وإطالة عمرها ولعل طغيان المصالح الفردية وحب الظهور طغى بشكل كبير على العديد من أفراد المجتمع ممَّا جعلهم يتسابقون في الوصول إلى الإعلام دون إدراك للمخاطر التي من الممكن أن تتركها مشاركاتهم السلبية وعدم فهمهم لدورهم التحليلي والتوعوي في مثل هذه القضايا وهؤلاء المزايدون لا يبحثون عن حلول للمشكلات بقدر بحثهم عن إطالة عمرها للاسترزاق.
ولأن هناك الكثير من الاستغلاليين الباحثين عن موقع لهم بين أكوام الأزمات المحيطة بهم فنجدهم من خلال أصواتهم التي تعلو بشكل سلبي ونشاز عندما تتاح لهم الفرصة أن يناقشوا ظواهر وقضايا مجتمعية.. فتجار الأزمات يزايدون على المجتمع إذ تعجبهم الشهرة معتقدين أنَّهم يؤثرون على المجتمع وفي أفراده، وهنا تظهر أهمية المسؤولية المجتمعية في ذلك من خلال معرفة من يتعامل مع الأزمة بنقلها والتحدث عنها من مصادر موثوقة أو من يتكسب منها حتى بإقامة المشاريع التي لا تخدم الوطن بشيء إنما مكاسب مادية لأصحابها، لذلك فإن عملية التكسب من الأزمة حتى بتصنّع الولاء بات مكشوفا حتى أن البعض يطلب مقابلا لذلك بحجة أن اسمه معروف وعدد متابعيه هائل وبالتالي هو مؤثر اجتماعيا، وإن لم يحدث الاتفاق تبدلت القناعات وأخذ المسار خطاً أفقيا أو رأسيا آخر - لا يهم - فالأهم هو التكسب من الأزمة لا أكثر!
دعونا نتفق أن كل إنسان لديه طرقه التي يعبّر من خلالها أو يتكسب منها ولكن هذا الاستخفاف بالأزمة لدواعٍ شخصية بات مقززاً لانكشافه مع الوقت، فخمسة أشهر كفيلة بأن تنكشف فيها الأقنعة ممن يترزقون من أي حدث دون تقديم فائدة للمجتمع فأي أنانية هذه التي تجعل من البعض اعتبار ما يحدث مورد رزق بلا حياء وطريقة للتكسب بلا مبالاة، هل هي المحاباة على حساب اسم الوطن أم هي كما يقول المثل الشعبي العربي «ذاب الثلج وبان المرج» وبالتالي وضحت مهمة هذه الفئة المتربحة من الأزمة وبانت طرق الاحتكار والاستغلال وأيضا بانت النوايا وفُرز الشرفاء من ضعاف النفوس، إذاً أليس الأولى أن يتطور الفرد ويقدم ما يخدم الوطن كما ينبغي بدلا من المزايدة باسم الوطنية، ولعله من المؤسف أن يفوز العشب بالماء وتترك الأشجار المثمرة الباسقة تصارع ويلات العطش والظمأ، وعليه من الأولى تقديم الدعم للمبادرات التي تخدم الوطن وتُجير باسمه وتخدم مسيرته التي تقع على عاتق كل فرد بدلا من أن يصب الدعم في مسارات التطبيل والشهرة لزيادة الحساب البنكي بلا أي رصيد يُشار له بالبنان.. وأقصد هنا الرصيد الذي من شأنه أن يكون دافعا لأفراد الجيل القادم ممن عايشوا الحصار ليقدموا ما يخدم البلاد من عطاء وتعلم وعمل.
ودعوني أختم بأن ظهور مهنة «المتاجرة من خلال الأزمة» باتت مهنة من لا مهنة له فلن تجد شخصاً لديه هدف في الحياة وعلى عاتقه مسؤولية ارتضاها لنفسه ببذل العطاء لهذه الأرض الطيبة بل ولديه مروءة ونخوة يفكر بربحه المادي متاجرةً بالوطن والوطنية، ولا تجعلوا من منصات التواصل الاجتماعي ترفاً لخدمة جيوبكم بمقابل الانتماء ووطن لا يعدله مال الدنيا، وللجميع هل استمرار تواصلكم وعطاؤكم للمتربحين سيعود عليكم بالفائدة أو على الأقل المجد والرفعة، عجبي
وللعلا يا موطني.

بقلم : ابتسام الحبيل

ابتسام الحبيل