كتاب وأراء

زوجات في مأزق

لنفكر بهدوء.. معظم الاخفاقات والمصاعب والعثرات التي تمر بها الزيجات الحديثة والتي تنتهي بعد فترة قصيرة جدا بالانفصال تعود جذورها إلى الطفولة، إذ يقع الاهل في خطأ فادح حين يفسدون اطفالهم إما بالقسوة الزائدة أو بالدلال الزائد، أذكر مرة أنني حضرت حفل عيد ميلاد باذخ لطفلة في الخامسة من عمرها وكان ترتيبها الرابع بين اخوتها، لكنها جاءت بعد تسع سنوات من الانتظار، لذا حظيت بالاهتمام الشديد من الاسرة كلها، في نهاية الحفل اصطف الخدم أمامها، وأمامهم اكوام من الهدايا المغلفة، كانت مهمتهم فتح الهدايا وعرضها عليها، لم ألمح فرحة على وجهها، ولم أسمع منها كلمة استحسان أو آهة اعجاب بهدية ما، فلديها عشرات الالعاب، بل مئات الالعاب، حتى أنها لم توجه كلمة شكر لوالدتها واخواتها على كل ما قاموا به لإنجاح الحفل، ولم تتوقف عن إصدار الاوامر الغبية طوال النصف الساعة الاخيرة التي كان الخدم فيها يقفون امامها كالعبيد، ثم وجهت أمرا لوالدتها بأن تناولها كاس الماء الذي كان امامها على الطاولة، هنا طفح الكيل ولم أقدر على السكوت فقلت دون تفكير: «ولماذا لا تشربه بدلا عنك» وكانت هذه الجملة سببا في القطيعة بيني وبين تلك الزميلة، حتى انها لم تدعوني لحضور زفافها بعد عدة سنوات، تزوجت تلك الطفلة التي لم تكبر ولم تكمل دراستها وهي في الثامنة عشرة من عمرها، وطلبت الطلاق بعد شهر واحد فقط، ولعل هذه الرسالة التي وجهتها احدى الاديبات لابنتها تلقي الضوء على النهاية المتوقعة: لقد اعتدتِ أن تنفذ كل رغباتك منذ ان كنت طفلة، وكان من العسير مقاومتك، اعتاد والدك الذي كان يعبدك ألا يرفض لك طلبا، وكذلك والدتك، وكنت تصرين على تنفيذ طلباتك ولا تتزحزحين عنها خطوة واحدة، وانت على اقتناع اننا لا بد ان نحققها لك، باختصار عشتِ كفتاة مدللة، وقد ظللت كذلك حتى بعد أن كبرت واصبحت امرأة، كبرت وانت تدركين أن ابتسامة بعينها، أو تجهما بعينه، يجعل الجميع عبيدا لك، ولاحقا أكرمك الله بالزواج من رجل طيب اعتبر كل نزواتك المنطقية والبعيدة عن المنطق أوامر واجبة التنفيذ، زوج آل على نفسه ان يحاول قدر جهده إسعادك، وان يدللك كما دللناك سابقا، لكن! هل فكرت قط في معنى هذه الكلمة «يدللك»؟ ان معناها أن يعامل المرء شخصا في طيبة وكرم، ولكن لها معنى آخر مرادف لها، ان المرء الذي يعطي دائما دون مقابل مُعرض للضجر، للكآبة..انه يشعر حتى لو لم يفصح عن استيائه أنه يتخلى عن مبادئه وشخصيته وأخلاقه من شدة إسرافه في إنكار ذاته، وانه يرضيك على حساب نفسه، وقد تتساءلين عن استخفاف أو جهل:- لماذا تفسد السعادة الشخصية...؟ والرد ببساطة هو: «انك تتحدثين عن سعادتك، لا عن سعادة المحيطين بك، وسعادتك لم تكسبيها بنفسك، لم تعملي من أجلها، لم تبذلي جهدا لاستحقاقها، فأنت لا تصنعين الاشياء، وانما تكلفين أناسا ليقوموا بها بدلا عنك، وقد تتساءلين عن وجه الضرر في ذلك، طالما هم لا يشتكون، آجلا أو عاجلا لن يكتفوا بالشكوى وانما سيعقب ذلك الرفض والتمرد، والضرر أيضا يا ابنتي يكمن في تناسيك أن العالم لا يقوم ويستمر على مبدأ الانانية، عالم يضطر فيه الرجال والنساء للعمل من أجل كسب قوت يومهم، ويضطرون فيه للكفاح لتحقيق رغباتهم، ووجه الضرر هنا أنك لم تتعلمي أن تتغلبي على المصاعب، ولا أن تتغلبي على نفسك، وليس من الطبيعي على الاطلاق أن تظلي طفلة طيلة عمرك، فزوجك مهما كان كريما ومتسامحا ومطيعا لن يعيش لك للأبد، وحتى لو عاش مدى الحياة، فليس حتما انه سيقبل العيش مع زوجة ترفض ان تنضج، زوجة تعتقد ان العالم كله يدور حولها، زوجة تأخذ ولا تعطي، زوجة تظن انها على صواب على طول الخط، زوجة لا تعرف كيف تعتذر اذا ما بدر منها تصرف يستوجب الاعتذار، وترى في الاعتراف بالخطا مهانة واذلالا لكبريائها، اما كبرياء الآخرين فلا معنى له بالنسبة لها، وثقي يا ابنتي واقولها لك عن تجربة انه سيأتي يوم يتحرر فيه زوجك من عبوديتك، سيأتي يوم ويفضل عليك امرأة قادرة على أن تشاطره همومه، وتقف إلى جانبه في مواجهة تبعات الحياة، ألا تدركين يا ابنتي العزيزة ان ابتسامتك أو تجهمك السلاحان اللذان تعولين عليهما قد يفقدان تأثيرهما كلما تقدمت في العمر.. وأن سلطانك وسلطتك ستضعف مع الوقت.. إن لم تدركي هذه الحقيقة فأنت في مأزق حقيقي.
بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري