كتاب وأراء

أسواق العمل المستقبلية.. السحب البشرية

العالم الآن على مشارف ثورة في الطريقة التي نعمل بها. لن يعد الذهاب إلى مكان العمل الذي يقرب أو يبعد عن المنزل أو مكان الإقامة بعدة اميال أو عدة دقائق هو الطابع الغالب على طريقة المعيشة وأسلوب العمل. سيحدث انشقاق أو انقسام كبير في طريقة ومكان العمل بحيث سيصبح مصطلح «الذهاب إلى العمل» خلال العقدين القادمين غير معروف لدى أكثر من 50% من القوى العاملة عالميا. ستصبح هذه القوة العاملة تعمل لحسابها الخاص وليس عند أحد أو أنها ستتحول لعمالة الكترونية مؤقتة وغير مستقرة. ومن ثم يمكن أن نطلق على هذا النوع من العمالة «عمال التراحيل الجدد» الذين يعملون في الفضاء الإلكتروني ومسجلين في السحب ( CLOUDSالرقمية. يبحث عن هؤلاء أصحاب الأعمال المنتشرون أيضا في الفضاء الرقمي وحينما يلتقي الطلب مع العرض في هذا العالم الذي يمزج بين الواقع الافتراضي والحقيقي يرسل أصحاب الاعمال لهؤلاء العمال عقودا الكترونية للقيام بمهام محددة بفترات زمنية أو واجبات محددة وبمقابل محدد. وبمجرد انتهاء هذه المهام أو الواجبات تنتهي علاقة هؤلاء العمال بأصحاب الاعمال ومن ثم يهيم العمال الإلكترونيين على وجوههم «أو على حواسبهم» في هذا الفضاء الإلكتروني مرة أخرى بحثا عن أصحاب اعمال أخرين ومهام أخرى يقومون بها ويتكسبون منها.
هذا ليس خيالا علميا. هذا يحدث الآن بالفعل فأنا اعرف شاب عربي حديث التخرج من كلية الهندسة تلقى بالفعل عرضا من إحدى الشركات العالمية التي تقوم الآن بالأعداد لإنتاج السيارة ذاتية القيادة (بدون سائق) للقيام بمهمة بحثية معينة لمساعدة الشركة في التغلب على مشكلة محددة خاصة بعملية تعرف السيارة على المواقف التي تستدعى ردة فعل معينة من السيارة. هذا الشاب الذي يعمل من غرفته في أفريقيا للشركة الأوروبية أوشك على الانتهاء من المهمة المحددة التي تم طلبها منه يبحث الآن عن طريق سوق العمل نفسه على مهمته التالية.
لقد شهد العالم خلال النصف الثاني من القرن الفائت تغييرات سريعة وعميقة لم تشهد مثلها البشرية خلال 5000 سنة من تاريخها المسجل. والتوقعات أنه إذا ظل الاقتصاد العالمي ينمو بنفس وتيرة النصف الأخير من القرن، فانه مع حلول عام 2050 سوف يكون العالم أكثر ثراء مما هو عليه الآن بسبعة أضعاف. ولكن الاختلاف هو أن الفترة الماضية التي شهدت تفاوت حاد بين مستويات الدخول داخل الدولة الواحدة (يتعدى الفارق بين أعلى مستوى للدخل في أميركا وأدنى مستوى له 10.000 ضعف الآن) شهدت أيضا انخفاضا حادا في نسب التفاوت في الدخل بين الدول المتقدمة والنامية. على سبيل المثال كان نصيب الفرد من الدخل القومي في الصين في 1950 لا يتعدى 44 دولارا أميركيا، بينما كان نصيب الفرد الأميركي من الدخل وقتها حوالي 1510 دولارات (35 ضعفا) أما الآن فلقد أرتفع متوسط نصيب الفرد الصيني من الدخل إلى حوالي ثمانية آلاف دولار (2015) بينما الأميركي يعادل 55200 دولارا أي حوالي 7 أضعاف فقط. فهل ستستمر هذه الموجة من انخفاض التفاوت بين الدول مع الثورة الصناعية القادمة؟ ما شرحناه يوحى بإمكانية تغير هذا الاتجاه بحيث تتعمق الهوة وتزداد فروق الدخل بين الدول النامية والمتقدمة مرة أخرى.
ومن ثم يكمن التحدي الذي نواجهه الآن في التوصل إلى أشكال جديدة من العقود الاجتماعية وفرص العمل التي تتناسب مع القوى العاملة المتغيرة والطبيعة المتغيرة للعمل. فيجب أن نحد من الآثار السلبية والهدامة لسوق العمل الإلكتروني أو (السحابة البشرية) من حيث الاستغلال المحتمل والمتوقع لعمال «التراحيل الجدد». هذا كما يجب في الوقت نفسه ألا تحد التشريعات المرغوبة الجديدة من نمو سوق العمل ولا تمنع الناس من العمل بالطريقة التي يختارونها.

بقلم : أ. د. حسن يوسف علي

حسن يوسف علي