كتاب وأراء

الكلام المحظور

حين صدر كتاب الشيخ علي عبد الرازق «الإسلام وأصول الحكم» وكان ذلك عام 1925 أي بعد ان أنهت السلطات التركية نظام الخلافة بعام كامل قامت القيامة ولم تقعد، وكل ذلك لأن الرجل اجتهد في عصر يُحارب فيه الاجتهاد وقال إن الإسلام دين روحي ولا دخل له بالسياسة، ثار الإنجليز المهيمنون على مصرالذين رغم معاداتهم للشيوعية انتزعوا جملة من النص الاصلي لكارل ماركس الذي يقول فيه: «الدين تنهيدة المضطهد، هو قلب عالم لا قلب له، إنه افيون الشعوب» واكتفوا بالترويج والتركيزعلى الجملة الاخيرة بعد تحريفها، بحيث اصبحت «الدين أفيون الشعوب»، وذلك لانها تخدم مصالحهم، وثار الملك فؤاد وهاج وماج فانتشار افكار الكتاب قد يجرده من لقب خليفة المسلمين الذي يسعى اليه، وخسارة اللقب تلغي الحصانة والعصمة عنه، وبإيعاز من الملك والإنجليز صدرت الاوامر لهيئة كبار العلماء في الازهر بتجريده من ألقابه ودرجاته العلمية وعزله من منصبه كقاض، ونشطت الاقلام المأجورة والاقلام التي تطمح في ان تكون كذلك، لتمزيق الشيخ المعزول شر تمزيق، وتصدت لهذه الحملة الشرسة قلة نزيهة من الادباء والصحفيين مثل عباس محمود العقاد ومحمد حسين هيكل وسلامة موسى، وبعض الاحزاب مثل حزب الدستور، وقالوا ان ما كتبه ليس بجديد، فقبله بأربع وعشرين سنة قال الشيخ محمد عبده نفس الكلام ولم يجرؤ أحد على التشكيك في إيمانه، فالايمان من وجهة نظر المجدد:- «يرفع النفوس عن الخضوع والاستعباد للرؤساء الذين استذلوا البشر بالسلطة الدينية، وادعوا القداسة والوساطة عند الله، ودعوى التشريع والقول على الله بدون إذن الله، أو السلطة الدنيوية وهي «سلطة الملك» ان العبودية لغير الله تهبط بالبشر إلى درك الحيوان المسخر، وحق على الانسان ألا يرضى لنفسه أن يكون عبدا ذليلا لبشر مثله يحمل لقبا دينيا أو دنيويا، وقد أعزه الله بالايمان، إن الله لا يسألنا يوم القيامة عن أقوال الناس وما فهموه، وإنما يسألنا عن كتابه الذي أنزله لإرشادنا وهدايتنا، وعن سنة نبيه الذي بًين لنا ما نزل إلينا وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نُزًل إليهم ولعلهم يتفكرون» يسألنا هل بلغكم الرسالة؟ لم يدع الإسلام لأحد بعد الله ورسوله سلطانا على عقيدة احد ولا سيطرة على إيمانه.. والرسول صلى الله عليه وسلم كان مبلغا ومذكرا لا مهيمنا ومسيطرا.. قال تعالى «فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر» ولم يخش العالم الجليل خفافيش الظلام والطواغيت المتسربلين بلباس الإسلام وهم أشد خطرا على الإسلام والمسلمين، وذكر كل ذلك في كتابه الإسلام بين العلم والمدينة:- «أن الحاكم الذي تختاره الأمة كالخليفة يُمثل حاكما مدنيا من جميع الوجوه، سلطة الحاكم مدنية، السلطان في الإسلام فرد، تسري عليه كافة الأمور التي تسري على الآخرين، فإذا ارتكب خطأً فإنه يجب أن يتعرض للمساءلة والحساب، وليس في الإسلام سلطة دينية سوى سلطة الموعظة الحسنة والدعوة إلى الخير»، ومع كل هذا الدفاع تمت مصادرة الكتاب، وتم عزل صاحبه من كل المناصب، وهجره الاصدقاء قبل الاعداء، وحين تذكره المفكر «محمود أمين العالم» بعد سنوات طويلة وذهب إلى زيارته وكان وقتها في الخامسة والسبعين من عمره، طلب منه السماح له باعادة طبع الكتاب المصادر، لتقرأه الاجيال الجديدة، لكن الشيخ لم يتحمس للمشروع، وإنما تحمس للحديث والبوح، لقد وجدها فرصة ليحكي عما لاقاه من عنت وظلم واضطهاد، لقد جُرد من لقبه، وشوهت صورته، وفُصل من عمله، ولولا أنه من عائلة غنية لتضور جوعا، ثم قال لمحدثه بمرارة شديدة:- هل تعلم أنهم كادوا يطلقوني من زوجتي؟ ولكن لحسن الحظ لم أكن متزوجا حينذاك، فضاعت عليهم الفرصة.

بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري