كتاب وأراء

جنون القراءة

الأعمار بيد الله، غير أن علماء لايزالون شغوفين بالبحث فيما يطيل الأعمار، وفيما يحافظ على الصحة العامة، وفيما يجنب المرء العادات الغذائية والحياتية التي تقصف العمر، ومبكرا قرأت ما مفاده ان سعة الاطلاع والمعرفة تطيل العمر، فقد توصل علماء من جامعة «إدنبرة» الاسكتلندية إلى نتائج تبين وجود علاقة بين معدل الذكاء في فترة الطفولة وطول العمر، وربما لذلك كنت أقرأ كثيرا عما يقرأه أقراني من حولي، بعد ملاحظة ان معظم كبار الأدباء العرب كانوا معمرين، ولكن هذه القناعة قد اهتزت حينما علمت أن الشاعر التونسي الرائع أبو القاسم الشابي قد توفاه الله وهو في ريعان شبابه، ومع ذلك استمرت قناعتي بعلاقة القراءة والاطلاع بطول العمر.
غير أن مشكلتي أنني كنت أتطفل على كتب من حولي، ومعظمهم طاعنون في العمر، ونوع الكتب التي يقرأونها لا تناسب عمري الغض وقتئذ، ربما لذلك قد وضعت نفسي في مشاكل وقضايا المعرفة ومنطقتنا والعالم قبل الأوان، فمثلا كان من بين أهم الكتب التي قرأتها كتاب للكاتب العربي الراحل محمد حسنين هيكل، بعنوان: «ماذا جري في سوريا» وفيه يشرح كواليس الانفصال بين مصر وسوريا بعد سنوات قليلة جدا من الاتحاد بين البلدين في جمهورية عبد الناصر وقتئذ والتي سميت: «الجمهورية العربية المتحدة»، إضافة إلى أعداد من كتب مجلة المدفعية للكاتب الراحل محمد شيت خطاب، والذي تناول في كتاباته الكثير عن المشاكل السياسية والحدودية في العالم العربي ومحيطه الجغرافي، وقرأت كذلك كتبا أخرى عما يسمى: «المسألة المصرية» و«المسألة الاوروبية» وأعدادا من مجلة «كتابي» التي كان يصدرها محمد حلمي مراد، وبين دفتي كل عدد منها متابعات جذابة للأدب العالمي وترجمات لأهم فرسانه ورواده ومشاهيره، وظننت، بحسب ما قرأت، ان سعة الاطلاع تطيل العمر كما قرأت عن ذلك مبكرا، غير ان الكتب ذات العيار الثقيل التي قرأتها في وقت الطفولة «شيبتني» قبل الأوان، فلم يكن هناك وقتئذ اهتمام بكتب للأطفال، ولا اكتراث بثقافتهم ومتطلبات أعمارهم غير مجلتين أسبوعيتين كنت أقرأ كلا منهما في يومي صدورها.
ورغم ذلك لا يمكن تجاهل جدوى القراءة، وبالخصوص علاقتها بالصحة العامة، وتأثيرها الكبير على عادات من يدمنها ويهفو اليها دائما، غير أنه تضاعف الإحساس بالقلق حينما قرأت مؤخرا ملخصا لدراسة تكشف عن رؤية غير مسبوقة تربط بين الذكاء والتحصيل المعرفي والمرض العقلي، اذ تخلص هذه الدراسة إلى إن ارتفاع معدل المرض العقلي بين الأذكياء وذوي المعارف قد يكون نتيجة فرط في وعيهم، ما يجعلهم بالغي الحساسية ويحللون التفاعلات الاجتماعية أكثر من اللازم، أي ان الذكاء الذي تستولده القراءة يمكن ان يفضي إلى شيء من الجنون، كما لو ان العقل «يفوت» كما يفوت موتور السيارة بالتقادم.
الأطباء يؤكدون من جانبهم علاقة بين التغذية والذكاء، ولكن ها هي دراسة تبعث على القلق تضع القراءة وما يترتب عليها من وعي في قفص اتهام، هل انها دراسة خبيثة المقصد تستهدف استمرارنا أمة لا تقرأ كما نوصف؟
بقلم : حبشي رشدي

حبشي رشدي