كتاب وأراء

داء ودواء

عاش في بغداد رجل ناهز الثامنة والثلاثين من عمره، وامتهن مهنة التدريس، وعُرف بغزارة العلم وطلاقة اللسان ووضوح الحجة، ونال محبة الناس وتقدير الخليفة واحترام العلماء حتى الحاسدين منهم، لكنه لم يكن راضياً عن نفسه، لم يكن سعيداً بكل ما وصل إليه من علم وجاه، لقد تعرض حين كان صبياً لحادثة تركت أثرا في نفسه، لقد هاجمه اللصوص ذات مرة بعد عودته من الدرس، وسرقوا ما معه وهو قليل، بالإضافة إلى الأوراق التي سطر فيها ما تعلمه من شيوخه، ولم يجد بدا من الجري وراء زعيمهم يستعطفه أن يرد عليه كتبه وأوراقه لأن فيها علوما تعب في تحصيلها، فما كان من اللص إلا أن رمى الأوراق في وجهه بعد أن قال له ساخرا: «كيف تدعي معرفتك بعلمها وقد أخذناها منك، فتجردت من المعرفة وبقيت بلا علم» ومن يومها لم ينس شيئا قرأه، لقد أدرك مبكرا أن العلم يجب أن يحفظ في الرأس لا في القرطاس،هذا هو «أبو حامد الغزالي» الذي وضعه بعض المستشرقين في المرتبة الرابعة من حيث المعرفة والعلم بعد النبي «محمد» صلى الله عليه وسلم والبخاري والأشعري، كان من أشهر الأساتذة في المدرسة النظامية، طلابه يأتون من جميع أنحاء العالم الإسلامي لتلقي العلم على يده، لكنه زهد في كل هذا وبدا له أن كل هذه الشهرة زيف وباطل، وإن معلوماته ناقصة، وهو لا يدري هل يعمل لوجه الله أم طلبا للمال والمجد، هل هو عالم وداعية حقا أم مدعٍ كبعض من عاشوا في تلك الفترة وكأغلب من ابتلينا بهم الآن، أسئلة أسلمته للمرض، فعاف الأكل والكلام، ويئس الأطباء من علاجه، وشخصوا الحالة بهذه الكلمات «هذا داء نزل في القلب، ولا رجاء في حياته، ما لم يكف عن إجهاد ذهنه وإرهاق عقله» وكان آخر الحلول أن يسافر لأداء فريضة الحج لعل وعسى، وهذا ما فعله، ومرت شهور أعقبتها سنوات، ولم يعد العالم الجليل لأهله وعمله وتلاميذه، بل أنهى سياحته النفسية والفكرية التي استمرت عشر سنوات قضاها في التنقل بين بلاد الله بالذهاب إلى مسقط رأسه طوس، وهناك عكف على القراءة والكتابة، وبعد خمس سنوات رحل عن هذا العالم بعد أن ترك لنا أرثا ضخما يزيد على مائة وثلاثين كتابا، أشهرها (المنقذ من الظلال وتهافت الفلاسفة) وحثنا على اتباع منهج التفكير الحر، ومحاربة الإيمان التقليدي، واتخاذ الشك منهجا للوصول إلى الحقيقة، والاعتماد على التجربة والمعاناة في تذوق التجربة الدينية، والتخلص من آفة القبول.. قبول من يتحدث عن الزهد والحق وأحواله وأفعاله أبعد ما تكون عن ذلك، والأمثلة كثيرة.. وكلهم نجوم صنعها الإعلام العربي لأغراض لم تعد تخفى على عاقل، نجوم أغرقتنا في الظلام لوقت طويل، نجوم آن الأوان لكي تنطفئ وللأبد.

بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري