كتاب وأراء

من الإعلام الشارح إلى الإعلام الجارح

رحلة طويلة معقدة مر بها الإعلام العربي. كان في الظاهر يبدو كأنه يتطور. كانت أعداد الصحف والإذاعات والقنوات التليفزيونية والمواقع الإلكترونية تزداد. لكن هذا التراكم الكمي لم يؤد، مثل كل شيء تغير كمياً في العالم العربي، إلى تحول نوعي. فالإعلام ليس إلا جزءاً من كل. هو مرآة لحالة عربية عامة كيفها كله يتناقض مع كمها كله. فأعداد العرب مثلاً تزايدت لكن فاعليتهم تراجعت. مدارسهم كثرت وتعليمهم تدنى. شوارعهم امتلأت بإشارات المرور وبالفوضى معاً.
ولم يكن الإعلام ليشذ عن قاعدة التناقض العربي بين الكم والكيف. فهو اليوم يقدم للناس آلافا من ساعات البث وملايين الصفحات الإلكترونية والتقليدية. ومع هذا تراجع الذوق العام وتدنت لغة الحوار وانتشرت ضحالة المعرفة. والإعلام مسؤول بدرجة كبيرة عن ذلك. فهو اللسان الأقوى بلا منازع. أقوى من كل الكتب والمحاضرات والجامعات والموسوعات. لقطة فيديو واحدة تبث لدقيقتين يزيد أثرها مثلاً على كل إنتاج طه حسين الذي أفنى فيه أكثر من نصف قرن.
وقد اضطربت أذهان الملايين في هذه المنطقة مع تحول هذا اللسان القوي من وظيفته الأصلية التي كان يتعين أن يقوم بها إلى وظيفة مضادة لا يعرف أحد متى يمكن له أن يتخلص منها. فقد توقف الجسد الإعلامي العربي عن القيام بدوره الشارح واختار أن يُوغل في اللسان الجارح. الأصل في الإعلام أنه يشرح وأن يوضح ويبين ويجلي الغموض. أن يُعرّف الناس بما كانوا يجهلونه. أن يسهب في تغطية القضايا من مختلف جوانبها وبأكثر قدر من التفاصيل. لكن ذلك لم يعد اليوم خياراً واضحاً على الخريطة الإعلامية العربية برغم الشعارات البراقة التي يطلقها كل على نفسه.
وليس في الأمر غرابة. فقد اختلط الحابل بالنابل في الإعلام مثلما اختلط في كل شيء غيره. دخل إلى المهنة كل من هب ودب. كل من جلس أمام كاميرا توهم نفسه مذيعاً. كل من كتب مقالاً تصور نفسه صحفياً. كل من وجد اسمه ضمن كشوف مكافآت أحد البرامج خال أنه من كبار المعدين. وعلى يد هؤلاء ويد من يدعمونهم تحول قطاع كبير من الإعلام العربي من التوضيح والشرح إلى الكيل والجرح.
ومع أن الإعلام العربي لم يولد موضوعياً ولم يكن دائماً نزيهاً وخلوقاً إلا أنه لم يصل إلى درجة التدني الأخلاقي والمهني التي هو عليها اليوم. كان الإعلام العربي الشارح، حتى لو كان يشرح من أجل التعبئة خلف رأي واحد، يتسم بأنه كابح وصافح وصالح. كابح للرأي الآخر لكن بأدب. صافح عن بعض الآراء المخالفة ولو بدرجة، وصالح لغوياً للأذن والعين والذوق العام.
لكن هذا اللسان الشارح الكابح الصافح الصالح أصبح لساناً جارحاً دمره بالتدريج تفشي الخطاب المادح الذابح النابح الذي سيطر على منافذ الإعلام المبعثرة اليوم بالمئات. أما الخطاب المادح فسلطوي بامتياز. أسس ورسخ الرأي الواحد وغرس عقلية تتعامل مع الأخبار بمنطق الحق والباطل وليس التنوع في الفهم والاستيعاب. ومع الخطاب المادح نشط الخطاب الذابح. فمن لا يشارك في المدح يستحق العقاب ويجب أن يُذبح. أن يشوه ويُلعن ويُقذف بكل الاتهامات. أن تشن عليه حملات إعلامية غاية في الضراوة والتوحش. وفي ظل منطقة بينها وبين الحرية خصومة، تعشق الاستبداد حتى لو قاومته، لم يكن مستغرباً أن يسلط اللسان الإعلامي الذابح كل طاقاته على معارك تافهة وملفقة باتت تحظى للأسف باهتمام كبير ومتابعة واسعة تصرف الجمهور عن متابعة القضايا الأكثر أولوية.
وليت الأمر توقف عند الذبح الإعلامي لدول وجماعات وأفراد بعينهم وإنما دخل إلى المشهد لسان جديد هو اللسان النابح. إعلام يعوي لتخويف الناس وترهيبهم حتى لا يفكروا أو ينشطوا ولكي يبتعدوا وينصرفوا. كي يصدقوا تحت نصل التخويف ما يردده الإعلام من تحريف وتخريف. وفي ظل تحالف غير مكتوب بين الخطاب المادح والذابح والنابح تكون مشهد إعلامي عربي لافح طافح جارح. فيه ألفاظ معيبة يجري استعمالها بسهولة وعناوين غريبة تكتب بلا وعي أو قيود. ولغة صفراء لا علاقة لها بالشرح والإيضاح. تحول الإعلام العربي من الشرح إلى التشريح ومن العقل إلى الجنون ومن الحنكة حتى في الدفاع عن الاستبداد إلى الغباء حتى في الدفاع عن القيم. بات المشهد الإعلامي العربي انتقامياً من كل شيء بما في ذلك من رسالة الإعلام ذاتها.

بقلم : د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات