كتاب وأراء

كل شيء يبدأ من الذرة

عندما تشاهد حجاج بيت الله الحرام يطوفون حول الكعبة في حركة دائرية فاعلم أن كل ما في الكون يدور وليس الحجاج وحدهم.. كل شيء يدور من أصغر شيء في الوجود وهو الذرة إلى أكبر شيء في الكون وهي الكواكب والنجوم. والذرة لا يمكن رؤيتها بالعين لأنه لو تصورنا أن عشرة ملايين ذرة تراصت في صف واحد فلن يبلغ طولها ملليمترا واحدا فقط، ومع ذلك فإن في هذه الذرة حركة وحياة وكأنها عالم بذاته.. فهي تتكون من نواة، والنواة مكونة من جسيمات كهربية موجبة، تسمى (بروتونات) ومن جسيمات أخرى متعادلة تسمى نيوترونات، ويدور حول هذه النواة جسيمات كهربية سالبة تسمى اليكترونيات، وفي الفترة الأخيرة اكتشف العلماء وجود جسيمات أخرى وصل عددها الآن إلى ثلاثين نوعا.
سبحان الله.. من يصدق أن هذا الشيء الدقيق الذي لا يمكن رؤيته بالعين المجردة فيه كل هذه الحياة والحركة، وهذا ما جعل العالم الكبير الراحل البروفيسور عبد المحسن صالح يشبه ما يحدث في الذرة بما يحدث في السماوات، فنحن نرى الشمس هي المركز أو النواة تدور حول الكواكب بما فيها كوكب الأرض، كذلك الذرة- أصغر شيء في الوجود- في داخلها نواة تدور حول الكترونات، وإذا افترضنا أن الالكترونات توقفت عن الدوران حول النواة لحدثت كارثة.. ولكن اجتماع الذرات يكوّن مواد لازمة للحياة. فمثلا يتكون ملح الطعام من اجتماع ذرتين في جزيء واحد فإذا قام العلماء بفصلهما عن بعض بإمرار تيار كهربائي ينفصل غاز الكلور السام إذا استنشقه أي كائن حي يموت. وينفصل الصوديوم إذا لامس الماء ترتفع منه ألسنة الدخان واللهيب ويحرق من يقترب منه. وهذا مجرد مثال على أن دورة الحياة تعلمنا أن الاتحاد قوة وأن الانفصال ضعف أو موت.
وهكذا كل جزيئات الحياة فهي تدور وتتحد وتنفصل ويحدث ذلك بمقادير معلومة ليس فيها ارتجال أو عشوائية ووفق قوانين ثابتة، وشاء الله أن تكون خمسة عناصر من الأرض هي الكربون والإيدروجين والأوكسجين والنيتروجين والفسفور هي التي تربطها بنايات ذرية في غاية الدقة فتكون الجزيء الذي يسميه العلماء ( د.إن.تي) ويتكون من حوالي مائة ألف ذرة بطرق هندسية يعجز أعظم المهندسين عن ابتكارها. وهذه المادة منها تكوّن الخلايا الحية في كل كائن. وكل خلية تتكون من نواة يدور حولها (السيتوبلازم) الحي، ولا يعرف العلماء أسرار النواة في الخلية ولا كيف تراكبت الذرات في الخلية، فهذا السر هو سر الحياة الذي لا يعلمه إلا الله. فالكيمياء في الخلية تعمل بطريقة تذهل العلماء، كما تذهلهم حركة دوران الجزيئات لتكون المواد التي نعرفها.
ويعبر البروفيسور عبد المحسن صالح عن انبهاره من حركة دوران الحياة فكل كائن حي يتكون من خلايا فيها الصفات الوراثية لكل كائن فلا يتشابه اثنان تشابها تاما ومع كل ما وصل إليه العلم الحديث من تقدم مذهل فإن العلماء لا يستطيعون رؤية الذرات التي تكون كل هذا التكوين الحي المذهل، ولا يدركون كيف تتكون الهرمونات وتشكل الانزيمات وغير ذلك من بنايات تخرج من نواة الخلية وكل ما وصولا إليه أن في الكائن الحي بناء داخل بناء من داخل بناء من داخل بناء حتى تصل إلى الذرات والذرات بناء كبناء السماوات نواة تدور حولها كواكب، وهكذا أصبحت النواة هي الخريطة السحرية التي أنشأها الخالق لكل كائن حي وأودع تلك الأسرار فيه، وهي بعد ذلك تنقسم وتنقسم، وتكبر وتكبر وتتشكل كما أراد الله لها أن تكون.
وهكذا نعلم لماذا قال الله لنا «وفي أنفسكم أفلا تبصرون» (الذاريات- 21) لأننا كلما وجهنا بصرنا نحو قدرة الله التي تتجلى في خلق الإنسان وسائر الكائنات لا نملك إلا نسجد له سبحانه «ذلكم الله ربكم لا إليه إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه» (الأنعام- 102).

بقلم : رجب البنا

رجب البنا