كتاب وأراء

«حراك الريف» يؤدي إلى «زلزال سياسي»

عندما تحدث العاهل المغربي الملك محمد السادس عن «زلزال سياسي» وشيك في المغرب، راجت تكهنات بأن الأمر سيطال بعض المسؤولين في منطقة الريف (شمال البلاد)، بيد أن أكثر التخمينات تشاؤماً لم تكن تتوقع إقالة أربعة وزراء، بما يعني خروج حزبين من التحالف الحكومي، إضافة إلى حرمان أربعة وزراء سابقين من تولي أي منصب طيلة حياتهم السياسية، مع احتمال عزل مسؤولين كبار في وزارة الداخلية.
كان الأمر بالفعل بمثابة «زلزال» شكل صدمة للوسط السياسي والحزبي.
من المفارقات أن يتزامن قرار العاهل المغربي مع مثول «ناصر الزفزافي»، الذي يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره «قائد حراك الريف» أمام محكمة في الدار البيضاء إضافة إلى 29 معتقلاً آخرين. اللافت في قرار ملك المغرب، إقالة محمد حصاد أحد الشخصيات القوية داخل الدولة. شغل حصاد خلال فترة حساسة منصب وزير الداخلية، حيث جرت تلك الفترة الانتخابات البرلمانية في أكتوبر من العام الماضي، وهي انتخابات نال فيها الإسلاميون (العدالة والتنمية) 125 مقعداً.
انتقل حصاد بعدها من وزارة الداخلية إلى وزارة التعليم، حيث انهمك في إصلاحات لافتة، وأشار القرار الملكي إلى أنه أقيل من منصبه الحالي على اعتبار أنه أخفق في إنجاز مهام أنيطت به عندما كان وزيراً للداخلية، في تنمية منطقة الريف.
انطلقت حركة الاحتجاجات في منطقة الريف في أكتوبر من العام الماضي، إثر مقتل بائع السمك داخل شاحنة نقل نفايات بعد أن صادرت منه السلطات كمية سمك يمنع اصطياده ورمت بها داخل الشاحنة.
خرج وقتها آلاف الشباب في مظاهرات خاصة في مدينة الحسيمة، بيد أن الاحتجاجات لم تقتصر على إدانة مقتل بائع السمك طحناً داخل شاحنة النفايات، بل تحولت إلى حركة مطلبية واسعة.
حدثت صدامات بين المتظاهرين وقوات الأمن لم تصل إلى حد العنف، لكنها أصابت المنطقة بالشلل، مما جعل الحركة الاحتجاجية تأخذ أبعاداً معقدة أن بعض المتظاهرين رفعوا شعارات انفصالية.
تعاملت السلطات العليا بهدوء وحذر مع الاحتجاجات، وعزت الأمر إلى تعثر مشاريع تنموية، لكن المؤكد أن الذي أثار استياء وسخط العاهل المغربي أنه كان قد أشرف شخصياً على توقيع عدة مشاريع لتنمية منطقة الريف التي عانت سنوات الإهمال وتفتقد للكثير من الخدمات.
وقعت تلك الاتفاقيات في أكتوبر عام 2015. وطلب العاهل المغربي إجراء تحقيق شامل لتحديد المسؤوليات، وكلف «المجلس الأعلى للحسابات» الذي يضم مختصين لهم دراية مالية وإدارية وقانونية واسعة بالمهمة.
كانت نتائج التحقيقات كارثية، وهي مسألة تحدث عنها بيان الديوان الملكي بوضوح حيث أشار إلى أن «هناك قطاعات وزارية ومؤسسات حكومية لم تف بالتزاماتها في إنجاز المشاريع دون مبرر».
لاحظ البيان أن لجنة وزارية لمتابعة تنفيذ المشاريع لم تجتمع إلا بعد 16 شهراً من توقيع الاتفاقيات أمام العاهل المغربي، وهو ما اعتبر بمثابة «تسيب وإهمال» قياسي.
بناء على التقرير الكارثي قرر العاهل المغربي إقالة محمد حصاد، وزير التربية والتعليم، بصفته وزير الداخلية في الحكومة السابقة، ونبيل بنعبدالله وزير الإسكان والحسين الوردي وزير الصحة، والعربي بن الشيخ وزير التدريب المهني.
كما تقرر عدم إسناد أي مهمة رسمية مستقبلاً لعدد من الوزراء السابقين وهم رشيد بلمختار وزير التعليم، ولحسن حداد وزير السياحة، ولحسن السكوري وزير الشباب والرياضة، وأمين الصبيحي وزير الثقافة، وحكيمة الحيطي وزيرة البيئة.
أدت قرارات العاهل المغربي عملياً إلى خروج حزبي «التقدم والاشتراكية» و «الحركة الشعبية» من الحكومة، ولا يعرف ما إذا كان الحزبان سيواصلان مشاركتهما في الحكومة الائتلافية الحالية، وهو أمر بات يحظى بالاهتمام داخل الأوساط السياسية والحزبية، خاصة أن العاهل المغربي ترك الأمر لرئيس الحكومة سعد الدين العثماني لإجراء تعديل حكومي.
في أي اتجاه سارت الأمور، فإن المغرب يعيش على إيقاع رجة سياسية غير مسبوقة.



بقلم : طلحة جبريل

طلحة جبريل