كتاب وأراء

هل انتهى عصر القوة الأميركية ؟

مالت معظم التحليلات في السنوات التي تلت هجمات سبتمبر 2001 (وهي سنوات العقد الأول من القرن الحادي والعشرين) على أن الولايات المتحدة الاميركية ما بعد تلك الهجمات ليست الولايات المتحدة ما قبل الهجمات. مثل تلك التحليلات كانت تواجه بكثير من التشكيك بالنظر إلى عناصر القوة التي تمتلكها الولايات المتحدة الاميركية مثل القوة الاقتصادية والعسكرية والتقدم التكنولوجي وشبكة التحالفات العابرة للقارات التي تعين واشنطن في الوصول إلى أهدافها وحماية مصالحها بشكل يضمن لها التفوق على بقية الدول والقوى في العالم. لا ننسى في هذا المجال أن الولايات المتحدة هي أحد أهم القوى دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي.
ومع انتهاء العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، يعود السؤال متأثراً بديناميات جديدة يشهدها العالم لا سيما الشرق الاوسط. فظاهرة الربيع العربي التي بدأت في أواخر العام 2010 وامتدت من تونس إلى مصر وليبيا واليمن وسوريا كانت عنصر مفاجأة من العيار الثقيل للسياسة الخارجية الاميركية لا سيما في الحالة المصرية حيث لم تجد بُداً من دعم التغيير ثم ما لبثت أن تراجعت عن دعم التجربة وتوفير الدعم للانقلاب العسكري على التجربة الديمقراطية المبتدئة. وبشكل عام فإن الولايات المتحدة كانت في الجانب الذي يميل إلى المحافظة على الوضع القائم قبل بدء الربيع العربي، وهذا الموقف كان متأثراً بحلفائها في المنطقة وكذلك قراءتها لمصالحة والتهديدات المحتملة لها اذا ما تمكن ربيع العرب ان يحقق أهدافه في التغيير السياسي والاجتماعي. بمثل ذلك الموقف كان واشنطن تخالف مبادئ لطالما ملئت العالم ضجيجاً فيها من حيث الديمقراطية والحريات وحقوق الانسان، حيث سكتت عن الالاف في سجون مصر وسوريا والعراق واليمن وغيرها. لم تكن الولايات المتحدة تمارس حتى قوتها الأخلاقية المعنوية في نظر المطالبين بالتغيير، ورأوا فيها تُسلم المنطقة إلى روسيا وإيران، والحديث هنا عن سوريا بالتحديد، حيث ظهرت واشنطن وكأنها متفرج على الفظائع التي كانت تحصل في سوريا تحت سمع وبصر روسيا، لكنها لم تحرك ساكناً. هنا تحديداً تجدد السؤال عمّا اذا ما كانت واشنطن تتراجع في منطقة الشرق الاوسط لحساب روسيا، وما اذا كانت ترى أن أهمية الشرق الاوسط تتراجع في معاييرها السياسية؟
لقد أبقت سنوات العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين علامة سؤالٍ كبيرة حول أوراق القوة الاميركية وما اذا كانت تستخدمها واشنطن. لقد انحصرت معارك واشنطن في العقدين الماضيين في محاربة الجماعات المسماة إرهابية في اليمن وافغانستان والعراق وسوريا، وبذلك انحصر النفوذ الاميركية لمواجهة لاعبين غير حكوميين وتركت لاعبين آخرين يلعبون في الاماكن التي غابت عنها.
لقد ذكًرت أزمة الخليج بين دول الحصار (السعودية والامارات العربية والبحرين ومصر) وبين قطر بالسؤال المهم حول عناصر القوة الاميركية، وعدم قدرة واشنطن على محاصرة الأزمة وحلها بالرغم من القلق الكبير حول تبعاتها على المصالح الاميركية. فالإدارة الاميركية ووزارتي الدفاع والخارجية لا تتردد في اعتبار مجلس التعاون موحداً ضرورة للأمن الإقليمي، لكن مع ذلك لا تبدو واشنطن قادرة على تغيير قواعد اللعبة والدفع بالحوار والمبادرة الكويتية نحو التنفيذ، فهل فقدت واشنطن أوراق قوتها سواء الناعمة أو غير الناعمة في التعامل مع الازمات التي ترى فيها تهديداً لمصالحها العابرة للبحار والقارات؟ هل هذا تراجع تكتيكي أم أنه إعادة قراءة وإعادة تموضع للقوة الاميركية في خريطة القوى العالمية؟
بقلم : محجوب الزويري

محجوب الزويري