كتاب وأراء

الطابعة ثلاثية الأبعاد .. أيقونة التكنولوجيا الحديثة (3 ــ 4)

تحدثنا في الأسبوع الماضي عن ماهية الطابعة ثلاثية الأبعاد وكيف أنها يمكن أن تصبح أيقونة الثورة الصناعية الرابعة. ذلك بما تحمله هذه الطابعة من تطبيق للسمة الأساسية لهذه الثورة الوشيكة الحدوث ألا وهي مزج التقدم الرقمي (ديجتال) بالتقدم البيولوجي وكذلك التقدم المادي (PHYSICAL). وضربنا أمثلة للآثار الإيجابية التي يمكن أن تحدث في مجالات الإنتاج والاستهلاك بخلق طبقة جديدة من المنتجين المستهلكين، وكيف أن السلع ستصبح شخصية (تتوافق مع تفضيلات وتصميمات أفراد بعينهم). كما عرضنا للآثار الإيجابية على التقدم الصحي والعلاجي من حيث استخدام الطابعة في تخليق أعضاء بشرية من جسم الإنسان تبدأ بالبشرة أو جلد الإنسان وانتهاء بأطراف صناعية أو قلب أو كبد كامل يمكن أن يزرع كما سيحدث في أول عملية جراحية من نوعها في عام 2025.
يحدث كل ذلك الآن حيث يقوم العلماء بطباعة أعضاء حيوية بداخل جسم الإنسان باستخدام تقنية BIO -PRINTING حيث يتم استخدام خلايا المريض نفسه في الطباعة مما يتغلب على المشاكل الخاصة برفض الجهاز المناعي للعضو.
أما الآثار السلبية الناتجة عن انتشار الطابعات ثلاثية الأبعاد والتي بدأنا في عرضها الأسبوع الماضي فيمكن تلخيصها في انخفاض الطلب على السلع المصنعة بصورة شخصية مما يؤدي إلى فقدان الوظائف وانتشار البطالة، مما يمكن أن يؤدي إلى أزمات حادة في سوق العمل. فهناك تقديرات بأن 40% من الوظائف الحالية يمكن أن تختفي خلال العشرين سنة القادمة. أيضا من الآثار السلبية الخطيرة لوجود الطابعة ثلاثية الأبعاد أنه يمكن أن ينتج عنها فقدان السيطرة على إنتاج السلع التي تنتج عنها نتائج سلبية اجتماعية. فلقد حدث أن طالبا جامعيا في تكساس أمكنه إنتاج سلاح آلي بواسطة الطابعة ثلاثية الابعاد. ولنا أن نتخيل كيف يمكن لانتشار الطابعات والتكنولوجيا الخاصة بإنتاج مثل هذه السلع عليها (من الأسلحة أو المفرقعات وما إلى ذلك). أيضا كيف يمكن أن تؤدي هذه الطابعات اذا وقعت في أيدي المخربين ومنعدمي الضمائر إلى انتشار للسلع ذات المردود الاجتماعي السالب والتي ينتج عنها تلوث في البيئة أو نمو في النفايات والتي يصعب التخلص منها. وهكذا يمكن أن تصبح هذه الطابعات (كأي اختراع أو تقدم تكنولوجي حديث) عبئا وعالة على المجتمع والبيئة.
وبدلا من أن تستخدم هذه الطابعات (أو وسائل الإنتاج الشخصي الحديثة) في رفع مستوى المعيشة وزيادة معدلات الرفاهية والرخاء تستخدم في تدمير البيئة وأذية الانسان والنبات والحيوان.
هكذا تظهر الحاجة إلى أن يصاحب انتشار هذه الوسيلة الجديدة للإنتاج تغيير في ضوابط الإنتاج، وقواعد السلامة والأمن ليس فقط في الإنتاج وانما ايضا في الاستهلاك بما يضمن عدم الانحراف عند إنتاج السلعة أو استهلاكها. لنا أن نتخيل اذا تمكن بعض المنحرفين من إنتاج المخدرات الطبيعية أو الصناعية باستخدام هذه الطابعات. بل انه يمكن للمحترفين أن ينتجوا أنواعا جديدة وصنوفا مستحدثة من هذه المواد الضارة بصحة الانسان. أي نوع من الوباء يمكن أن ينتشر اذا تم ترويج وتسويق هذه المستحدثات السلبية بين جيل الشباب الذي تستهويه التقدمات والاختراعات الحديثة في كل المجالات بما فيها المضر وغير النافع.
هذا بالاضافة إلى حاجة الاقتصاد والمجتمع حين تنتشر هذه الطابعات إلى اعادة النظر في القيود التجارية، وقوانين حماية المستهلكين وكيفية تنظيم وحماية براءات الاختراع. كما ستستدعي التطورات الإنتاجية التي تجعل الانسان ينتج ما يستهلك في اعادة النظر في قوانين الضرائب والحماية الجمركية بما يضمن سلاسة العملية الإنتاجية وعدم وضع القيود أمامها سواء على المستوى المحلي أو الاقليمي أو العالمي.
وهكذا لابد من تعديل وتطوير الاجراءات والنظم الحكومية؛ حتى تتماشى مع أساليب ونظم الإنتاج والاستهلاك الجديدة.
بقلم : أ. د. حسن يوسف علي

حسن يوسف علي