كتاب وأراء

في الصمت السلامة

أضر شيء على الانسان الجهل،وأضر آثار الجهل هو الخوف،تلك الكلمات التي لم تفقد قيمتها واثبتت الايام صحتها كلمات المفكرالعظيم عبدالرحمن الكواكبي الذي تقلد عشرات المناصب في حلب،ومارس عشرات المهن،كان عالما،وكان تاجرا،وكان صاحب مشاريع عمرانية وصناعية،وكان صاحب أول صحافة سياسية،كما كان صاحب رسالة،لذا لفقت له عشرات التهم للتخلص منه،اتهموه بالتحريض على قتل الوالي،ولما ثبتت براءته،لفقوا له تهمة محاولة قلب النظام،ولم يجد بدا من الرحيل حاملا على ظهره ثقل سنواته الخمسين وغدر الاصدقاء والاعداءعلى السواء،واستقر في مصر لفترة يؤلف ويكتب ويلقي المحاضرات،ثم قرر أن يقوم بجولة واسعة في البلاد الإسلامية لمعرفة معالمها،قبل ان يعود مرة أخرى لمصر وفي نيته تأليف كتاب يضم كل ما صادفه واكتشفه في هذه الرحلة الطويلة ليستفيد الناس من تجاربه،لكن الوقت لم يسعفه،إذ توفي فجأة وبصورة مريبة بعد تناوله فنجان قهوة في مكان عام،وهو بين تلاميذه ومريديه،واكتفى محبوه بالشك والحداد الصامت، وبكتبه التي وضع فيها خلاصة فكره، ولم يكن مصيره يختلف عن غيره من المخلصين للإسلام حقا،فحين اكتشف المفكر والعالم جمال الدين الافغاني الوجه القبيح للسياسة كان الوقت قد فات للتراجع بالنسبة له،وان لم يخفي استنكاره ودهشته من سهولة ابتكار شتى التهم لترويع كل من يتحدث في السياسة أو ما يُمس الساسة من بعيد أو قريب، وفي عام 1868 كتب في مذكراته هذه الكلمات:_الانجليز يعتقدون أنني روسي،والمسلمون يظنون أني مجوسي،والسنة يحسبون اني رافضي،والشيعة وضعوني في خانة النصابيين «قوم يبغضون سيدنا علي» وهناك من يعتقد أني وهابي،وآخرون يتوهمون اني من اتباع البائية،والمؤمنون بالله يتهمونني بالمادية،والاتقياء بالكفر،ولكن لا الكافر يدعوني إليه،ولا المسلم يعدني من جماعته،منفي أنا في المسجد،منبوذ من المعبد،انا حائر! لا اعرف على من اعتمد ولا من احارب،ولو تنصلت من عقيدة واقررت الأخرى،وهاانذا جالس في كابول مكبل اليدين،كسير الساقين،انتظر ما يخبئه لي الغيب» وهذه المناجاة التي جهر بها وهو في الثلاثين من عمره كررها خلال الثمانية والعشرين عاما التي عاشها بعد ذلك،وبسبب نزعته الحرة وكرهه للاستبداد كان يتم التخلص منه وتطفيشه ومن ثم ترحيله من أي بلد يحل فيها،ثم أبتسم له الحظ حين دعاه السلطان عبدالحميد الثاني إلى تركيا،واحسن استقباله ووفر له حياة كريمة،وقربه منه،لكن الحساد وهم..هم في كل زمان ومكان،لم يعجبهم ذلك،وبدئوا بنشر الاشاعات عنه،واوغروا صدر المضيف عليه،فصدق الوشايات ونشر حوله الجواسيس يعدون انفاسه ويكتبون عنه التقارير الكاذبة، ثم فرض عليه الاقامة الجبرية قبل أن يأمر بتصفيته،ومات العالم الجليل بعد عملية جراحية اجراها طبيب السلطان الخاص،وتعمد ان يستخدم فيها ادوات طبية ملوثة كما قيل...ودفن دون حفاوة في مقبرة مجهولة،وفيما بعد نقل الجثمان إلى كابول التي ضاقت به وعليه في شبابه.
بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري