كتاب وأراء

عقدة الخوف

يشرح الدكتور الاقتصادي «جلال أمين» في كتابه خرافة التقدم والتخلف متى وكيف ظهرت كلمة إرهاب في قاموسنا اليومي ومن ثم باتت سلاحا مسلطا على الرقاب يستخدمه اصحاب المطامع والنفوذ لمصالحهم الخاصة فيقول:- «لا بد أن الفكرة بدأت باكتشاف أن هناك حاجة ماسة لتخويف الناس «للسيطرة عليهم» كان هذا الاكتشاف وحده اكتشافا عبقريا، إذ ليس من السهل أن نتبين لأول وهلة الفوائد العظيمة «على البعض» والتي يمكن تحقيقها من وراء ذلك، الخوف يوحد بين الناس، ويلهيهم عن المعارضة، ويجعلهم أسهل قياداً، ويُضعف من قدرتهم على استيعاب البديهيات، أو إدراك التناقض بين الاقوال والشعارات، ويجعلهم أكثر استعداداً لقبول الاوامر والتنازل عن الكثير من حرياتهم، إن ادراك الزعماء السياسيين للفوائد التي يمكن أن يجنوها من تخويف رعاياهم قديم جدا، اذ تم استخدامه عبر التاريخ من جانب الزعماء الديكتاتوريين والديمقراطيين على حد سواء، وزاد استخدامه في القرن العشرين في الاتحاد السوفياتي، وعلى الأخص في عهد ستالين، وفي المانيا وإيطاليا على يد هتلر وموسوليني، وفي بريطانيا على يد تشرشل، وفي الولايات المتحدة الأميركية على يد روزفلت، فُخوف ستالين شعبه من الرأسمالية، وخوف تشرشل وروزفلت شعبيهما من الشيوعية، وخوف هتلر وموسوليني شعبيهما من الرأسمالية والشيوعية على السواء، وبعد الحرب الباردة وسقوط الشيوعية وازدياد وعي الناس، كان لا بد من العثور على مصدر جديد للتخويف، بل لا بد ان البحث عن هذا المصدر الجديد قد بدأ حتى قبل سقوط الشيوعية، إذ ان الأمر يحتاج إلى وقت، وقد يفقد مصداقيته ويصبح مفضوحا إذا استُبدل سبب التخويف بين ليلة وضحاها، وكان لا بد من بدء العمل على تنمية مصدر جديد لبث الرعب بين الناس منذ بدأ عصر الوفاق بين المعسكرين أميركا والاتحاد السوفياتي في اواخر الستينيات، وتم الترويج لهذا المنُتج المبتكر خلال فترة السبعينيات والثمانينيات، وأعلن عنه رسميا في التسعينيات، ولم يبدأ القرن الواحد والعشرون حتى أصبح هو المصدر الرئيسي للخوف لدى كافة البشر في كل مكان، ولا بد أن نلاحظ كم كان الاختيار الاسم موفقا، فكلمة الإرهاب بعكس كلمة الشيوعية أو الرأسمالية أو الشوفانية أو النازية أو الفاشية، لا تشير إلى مصدر الخطر، ولا تصف طبيعته أو مكوناته، بل تشير إلى نتيجته.. وهي التخويف... «الشيوعية مخيفة» و«االإرهاب مخيف» العبارة الأولى عبارة ذات معنى، ولها مبتدأ وخبر يصف مبتداها، اما العبارة الثانية فلا تقول شيئا على الاطلاق، إذ أن الخبر «مخيف» لا يضيف شيئا إلى المبتدأ «الإرهاب» فكلاهما لهما معنى واحد، وكأنك تقول الشيء مخيف - مخيف، كذلك فإنك إذ تشير إلى شخص بأنه «إرهابي» لا تخبرنا بشيء عن سبب الخوف منه أو عن عقيدته، أو مصدر أفكاره، أو عن صفاته الشخصية، أو نوع الاعمال التي يقوم بها، أنك فقط تشير إلى أثر هذه الاعمال، وهو إثارة الخوف والرعب...لهذا كان اختيار الاسم موفقا لعموميته وخلوه من المضمون، ومن ثم إمكانية استعماله في كل زمان ومكان.
وفي كل الظروف ان الخوف عقدة كما ذكر الصحفي «رياض الريس» لا واقع، وهم لا حقيقة، وهو لا يدواى بالتطمينات والامتيازات، بل المساواة التامة القانونية العادلة بين كل المواطنين والمقيمين أيضا، وقطعا لن يجد تُجار الأسلحة، وصناع الإرهاب من سياسيين مستفيدين ومن عملاء وخونة ومرتزقة موطأ قدم في بلد لا يجد فيه المواطن سببا للشكوى والتذمر، في بلد تطبق العدالة... وتؤمن بالعدل.

بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري