كتاب وأراء

في العلاقات بين الدول وحصار قطر

تخضع العلاقات بين الدول للكثير من العوامل، وما تراه دولة خطر عليها قد لا تراه دولة أخرى تواجه ذات الظروف، وتتحكم بالدول مصالح متناقضة منها الجغرافيا والسيادة، ومنها مكانة المواطنين وحقوقهم في حساباتها، لكن منها أيضا سيكولوجية القادة ودور الاقتصاد. للدول قادة يصيبون ويخطئون، إذ يصيغ سياسات الدول في الحرب والسلام أفراد ومؤسسات، لكن في العالم العربي يغلب على السياسة دور الأفراد.
ويمكن على سبيل المثال التساؤل عن العوامل التي دفعت فرنسا لأن تقترب من إحتلال موناكو في ظل أزمة 1962-1963 القرن العشرين؟ فهل هو التاريخ والاقتصاد والضرائب أم سيكولوجية العظمة الفرنسية التي لا تتقبل موناكو المستقلة إلى جانبها؟ ومع ذلك أدت طبيعة فرنسا الديمقراطية للتراجع عن الموقف مما عزز القول بأن الديمقراطيات يصعب أن تقاتل بعضها البعض.
في أزمة الخليج الجديدة التي بدأت في يونيو 2017 يصبح لوم دولة عربية واحدة من قبل الدول التي تحاصر قطر على فشل السياسة العربية تعبير عن أزمة أكبر. إختزال الإرهاب وثورات الربيع وغضب السكان والمواطنين من أنظمتها منذ 2011 بقطر يحمل من الخيال الهوليوودي الكثير. الواقع يقول شيء آخر. فالدول التي حاصرت قطر مسؤولة عن ما وصل اليه الوضع العربي، ومن هنا أزمة النظام العربي الأكبر. على سبيل المثال يمكن القول بأن الدول العربية التي دعمت عودة الجيش بكل تجاوزاته عام 2013 لحكم مصر مسؤولة عن ما آلت اليه حالة مصر. فقد دعمت هذه الدول إنقلابا وضع الحكومة السابقة بكل أفرادها في السجون، وهذا يفسر عمق الأزمة في مصر وعلاقة ذلك بالتردي الاقتصادي الذي تمر به. في هذا المجال يصبح الموقف القطري الذي لم ينسجم مع هذا التوجه أقرب للحس السليم. ربما كان منطق التاريخ قد إختلف لو وضعت دول الخليج المساندة لإنقلاب مصر شروط واضحة على الجيش المصري عندما أزاح الرئيس مرسى تتضمن مثلا أن يكون الإجراء مؤقتا وأن ينسحب الجيش للثكنات في ظل مصالحة تتضمن كل الاطراف التي بما فيها الاخوان المسلمين. لو وقع هذا لتم تفادي مجزرة رابعة 2013 ولكانت مصر اليوم أقرب ل «نموذج تونس والمغرب» ولكانت دول الخليج بما فيها قطر ضامنة للاتفاق الجديد.
ولو عدنا للتاريخ قليلا، سنجد ان الغزو العراقي الذي قام به صدام حسين لدولة الكويت عام 1990 عبر عن ذات الإشكالية. فقد سعى الرئيس العراقي للتعامل مع خلاف عادي مع جارته الكويت بوسائل تتجاوز حجم الخلاف وتعتمد الإجتثاث والتصفية الشاملة، بل تبين بأن حربه مع إيران عام 1980 علاج مبالغ به لمشكلة كان بالإمكان استخدام وسائل اخرى للتعامل معها. إن الإجراءات المفرطة في تطرفها كاستخدام القوة والحصار الشامل في العلاقات بين العرب كحرب اليمن تؤدي لكوارث. ففي العلاقات العربية العربية يمكن تحويل كل خلاف لصراع مفتوح. لكن في العلاقات مع الغرب، يبدو اننا نصبر ونتحلى بالمرونة، فما نقبله من الغرب يختلف عن ما نقبله من بعضنا البعض.
لقد استندت فرضية حصار قطر على سقوط سريع وذلك بحكم القدرات العسكرية والاقتصادية والجغرافية وبحكم طبيعة الحجم والعدد لدول الحصار. لكن الإجراءات القاسية بحق قطر دفعتها نحو التماسك والإعتماد على قدراتها الذاتية والتوجه نحو تركيا ثم جزئيا في مجال التجارة وأجواء الطيران نحو إيران، ثم نحو الكويت، ودفعت الأزمة بقطر نحو المناطق الحرة في عمان، بل أدت قساوة الإجراءات لتوجهها نحو المؤسسات في الحكومة الاميركية. تلك المؤسسات ومنها الخارجية والبنتاغون أعطت قطر إقرارا واضحا لا لبس فيه بأنها من أكثر الدول محاربة للإرهاب كما وأقامت معها مناورات عسكرية مشتركة. الأزمة أخافت الدول الصغرى في الخليج من طبيعة الإجراءات وقساوتها، وهذا بطبيعة الحال إنعكس على الكويت وزاد من قلق عمان. الحصار نتاج لقرار فردي إنفعالي، لكنه خلق الأرضية لمحاور جديدة باقية معنا لزمن طويل.
بقلم : د. شفيق ناظم الغبرا

د. شفيق ناظم الغبرا