كتاب وأراء

الاتجاه الخاطئ

في الرواية الشهيرة «فهرنهايت 451» تقول البطلة الشابة ذات السبعة عشر عاما «كلاريس» لرجل الإطفاء المكلف بحرق الكتب: «إن من الجميل الاختلاط بالناس، لكنني لا أظن أن من الخصال الاجتماعية أن تجمع عددا من الناس ثم لا تسمح لهم بالكلام، أناس غير مسموح لهم بطرح الأسئلة، وإنما تلقي الاجوبة عن اسئلة لم تُطرح، إنهم ينهكوننا تماما بحيث لا نستطيع أن نفعل أي شيء في المساء، ولا يكون لدينا خيار سوى الذهاب إلى الفراش، أو التوجه إلى حديقة الملاهي للتنمر على الناس، أو كسر النوافذ، أو تحطيم السيارات، أو التسابق في الشوارع، الجميع إما يتصايحون أو يرقصون أو يضرب بعضهم بعضا.. يقول عمي انه كان للمنازل فيما مضى شرفات أمامية، وكان الناس يجلسون فيها ليلا في بعض الأحيان على المقاعد الهزازة يتكلمون اذا أرادوا الكلام، أو صامتين إذا لم يريدوا الكلام، وأحيانا كانوا يجلسون هناك فقط وهم يفكرون في أمور ويقلبونها في عقولهم، ثم صدرت الأوامر بالتخلص من الشرفات الأمامية، وبرر أصحاب القرار ذلك بقولهم إنهم لا يريدون أن يجلس الناس هكذا على مقاعدهم الهزازة لا يفعلون شيئا ويتكلمون، فذلك كان النوع الخاطئ من الحياة الاجتماعية، كان الناس يفرطون في الكلام، وكان لديهم وقت للتفكير، لهذا السبب ألغوا الشرفات الأمامية والحدائق ايضا، أرادوا جعل الناس ينهضون ويجرون هنا وهناك دون هدف» وبسبب هذه الكلمات تم اغتيال الفتاة الصغيرة، فالتعبير والتفكير والقراءة جريمة ضد المجتمع، جريمة تستوجب التصفية أو السجن بدون محاكمة ولزمن غير معلوم، يتساءل رجل الاطفاء «مونتاغ» بعد موت الفتاة التي كانت تقيم بقرب منزله عن السبب الذي أدى إلى تصفيتها بكل وحشية ودون أي إحساس بالندم، تلك الفتاة الصغيرة التي لم تعش حياتها بعد، والتي نبهته إلى رؤية النجوم.. إلى أهمية الضحك... والاستمتاع بدفء أشعة الشمس.. تلك الصغيرة التي كانت تملك أحاسيس لا يملكها، أحاسيس سُلبت منه ومن زوجته، ومن كل المحيطين به، يستيقظ بعد سبات طويل، ويبدأ في طرح الاسئلة، يقول له استاذ جامعي عاطل عن العمل اضطر إلى الهروب والاختباء بعد اغلاق الجامعات: «لا تستطيع إرغام الناس على الاصغاء، لا بد لهم من أن يتوصلوا هم أنفسهم في الوقت الملائم لهم إلى التساؤل عما حدث؟ ولماذا انفجر العالم تحتهم؟ لا يمكن للأمر أن يدوم» لا يمكن للظلم أن يدوم، التاريخ يقول ذلك، ويقول أكثر من ذلك، إن نهاية الظالم تكون مروعة.. مفزعة.. فالشعوب لا تصمت للأبد، وما من شيء يربط بين الناس كما تربط بينهم ذكرى شقاء عانوه معا، كما يقول الكاتب البوسني الأصل «إيفو أندريتش» ذكرى لا يستطيع المستبد أن يعبث بها مهما بلغت قوة بطشه، فعندما تنصب كراهية الناس على شيء أو أمر معين- والكلام ما يزال للأديب البوسني- فإنها لا تتخلى عنه أبدا، ولا تتوانى عن التفكير الدائم فيه، فتصبح الكراهية غاية بحد ذاتها، وتصبح ذات سلطان وقدرة على الابداع والزهو، وتجد مناهل وحوافز جديدة، وتوجد بنفسها الذرائع لمزيد من الكراهية، وحين يكره الناس مخلوقا ما، كرها عميقا، فإن هذا المخلوق يجب أن يزول عاجلا أم آجلا.

بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري