كتاب وأراء

إدمان الفشل .. حقائق خلال انتخابات «اليونيسكو»

الانتخابات التي شهدتها باريس خلال الأسبوع الماضي لاختيار مدير عام جديد لمنظمة اليونسكو خلفا للسيدة إيرينا بوكوفا كانت بمثابة مرآة عاكسة لحالة التردي التي وصل إليها النظام الإقليمي العربي. فأداء مجموعة الدول العربية في اليونسكو هذه المرة لم يكن فقط يتسم بعدم الكفاءة المعتادة وإنما شابته أيضا تصرفات أقل ما يقال إنها مشينة. ولا تكمن المشكلة هنا في عجز الدول العربية عن الاتفاق على مرشح واحد لخوض سباق التنافس على منصب المدير العام لليونسكو.
فقد تكرر هذا الإخفاق في انتخابات 1999 ثم في انتخابات 2009، وإنما في سلوك الدول العربية خلال تلك الانتخابات. ولكي ندرك فداحة ما حدث فيها، تعالوا بنا نتأمل الحقائق التالية:
الأولى: تتعلق بتشكيل الهيئة المنوط بها انتخاب المرشح لمنصب المدير العام. فعدد مقاعد المجلس التنفيذي 58 مقعدا، يتم شغلها بواسطة المؤتمر العام لليونسكو، والذي تشارك فيه جميع الدول البالغ عددها حاليا 195 دولة، وفق نظام انتخابي توزع فيه الدول الأعضاء على ست مجموعات إقليمية هي: أوروبا الغربية وأميركا الشمالية (9مقاعد)، أوروبا الشرقية (7 مقاعد)، أميركا اللاتينية (10 مقاعد)، آسيا (12 مقعد)، إفريقيا (13 مقعد) الدول العربية (7 مقاعد). وللفوز بمنصب المدير العام يتعين حصول المرشح على اصوات 30 دولة، منها 7 أصوات للمجموعة العربية وحدها.
الحقيقة الثانية: تتعلق بمنصب المدير العام. فمجموعة الدول الغربية فازت به عدة مرات، واحتفظت به لسنوات طويلة بلغ مجموعها ما يقرب من ثلث قرن، حيث شغله كل من: البريطاني جوليان هكسلي (46-48)، الأميركيان جون تايلور ثم لوثر إيفانز (52-58)، الإيطالي فيدرينو فيرونيز (58-61)، الفرنسي رينيه ماهيو (62-72) الأسباني فردريكو مايور (87-99). أما المجموعات الأخرى فقد فازت بالمنصب مرة واحدة متفاوتة المدد، حيث شغله كل من: البلغارية ايرينا بوكوفا (أوروبا الشرقية: 2009-2016)، المكسيكي جيمس توريز بوديه (أميركا اللاتينية 48-52)، الياباني كوشيرو ماتسورا (آسيا: 1999-2-2009)، السنغالي أحمد مختار امبو (إفريقيا: 74-87). أما المجموعة العربية فهي المجموعة الإقليمية الوحيد التي لم يفز أي من مواطنيها بمنصب المدير العام لليونسكو، وذلك منذ نشأة المنظمة الدولية وحتى الآن. ولو أن هذه المجموعة اتفقت فيما بينها على مرشح عربي في انتخابات هذا العام لفاز مرشحها بالمنصب هذه المرة وبكل سهولة، بل وربما بالتزكية.
الحقيقة الثالثة: تتعلق بالمرشحين العرب في الدورات الثلاث الأخيرة. ففي انتخابات 1999 ترشح عربيان، المصري اسماعيل سراج الدين والسعودي غازي القضيبي، وفي انتخابات 2009 ترشح عربيان أيضا، المصري فاروق حسني والجزائري محمد بدجاوي، أما هذا العام فكان هناك أربعة مرشحين عرب: القطري حمد الكواري، والمصرية مشيرة خطاب، واللبنانية فيرا خوري، والعراقي صالح الحسناوي. أي أن ما يقرب من نصف إجمالي المرشحين في هذه الدورة كانوا عربا. ولم تقتصر المشكلة هذه المرة على عدد المرشحين. ففي انتخابات 1999 لم يكن اسماعيل سراج الدين مرشحا رسميا لمصر على الرغم من أنه كان الأوفر حظا للفوز بالمنصب، وفي انتخابات 2009 لم يكن محمد بدجاوي مرشحا رسميا للجزائر وانسحب قبيل بدأ السباق. أما هذه المرة فجميعهم كانوا مرشحين رسميين لدولهم. المرشح العراقي كان الوحيد الذي أعلن انسحابه في مرحلة مبكرة، أما الثلاثة الآخرون فقد استمروا في السباق. وحين اضطرت المرشحة اللبنانية للخروج من الحلبة، بعد تساوي أصوات المرشحتين المصرية والفرنسية، عبرت عن أملها بفوز مرشح عربي ثم تبين فيما بعد، وفق بعض الروايات، أن صوت لبنان ذهب للمرشحة الفرنسية في جولة الحسم لتحديد المركز الثاني!
الحقيقة الرابعة: تتعلق بأداء وسائل الإعلام العربية، خصوصا المصرية، خلال الانتخابات. وأقل ما يقال إن هذا الأداء لم يكن مهنيا، بل كان وقحا ومخجلا إلى درجة العار.
بقلم:د. حسن نافعة

د. حسن نافعة