كتاب وأراء

البساطة هي الوجه الآخر للعبقرية

البساطة، هي نهاية المشوار وثمرة العمل الدؤوب.. هي الخلاصة التي يقدمها العباقرة لعامة الناس في قالب بسيط ومفهوم لدرجة يحسبها الجاهل (مهمة سهلة) في حين أنها الوجه الآخر للتفـوق وسنوات الخبرة..
قررت كتابة هذا المقال بعد رؤيتي للاعب سلة يسجل هـدفاً بطريقة بهلوانية طائرة.. بدت لي سهلة وبسيطة- وبإمكان كل إنسان تنفيذها - ونسيت للحظة أنها ثمرة سنوات كثيرة من الإصرار والتكرار والمران المرهق..
وهذا هو حال المتفوقين في كل مجال، يفعلون الأشياء بطريقة متقنة وبديهية لدرجة تشعرك بقدرتك أيضاً على فعلها.. ولكن البساطة (بكل بساطة) هي الوجه الآخر للعبقرية وتقديم الفعـل في مرحلته النهائية.. تحتاج لعبقري واحد فقط لمنحك حلاً بسيطاً وناجحاً، ومائة أحمق لجعل حياتك أكثر حيرة وتعقيداً.. مـئـة نصيحة، وألف اقتراح، ومليون رأي لا تنهي مشاكلنا المحلية (من بطالة وإسكان واستقدام وأزمة نقل) ولكن يمكن لحـل واحد بسيط معالجتها في وقت قياسي (مثـل منح رجال الأعمال فرصة تقديم هذه الخدمات بطريقة ربحية)..
سبق أن قدمت محاضرة عن أبرز عشر صفات تميز العباقرة كان من بينها قدرتهم على تبسيط الأمور وجعلها مفهومة لعامة الناس.. فـعدم القدرة على «التبسيط» يعـني الغباء أو عدم الفهم أصلاً وهو ما يذكرنا بقول أنشتاين: إن لم تستطع شرح المسألة لطفل في السادسة من عمره فهذا يعني أنك لم تفهمها فعلاً..
البساطة ذاتها ليست أمراً بسيطاً.. فهي نتيجة جهود مضنية ومحاولات طويلة من الإصرار والفشل.. شركات الأبحاث مثلاً تصرف أموالاً طائلة وجهوداً خارقة لإنتاج سلعة يمكن لجميع الناس- وبمختلف مستوياتهم- استعمالها والتعامل معها.. هنري فورد نجح في إنشاء شركة عظيمة لأنه (ببساطة) صنع سيارة يمكن لجميع الناس قيادتها.. وشركة نوكيا اكتسحت أسواق الهواتف النقالة- في بداية عهدها- لأنها قدمت أجهزة بسيطة يمكن للجميع شراؤها.. وجوجل حققت نجاحاً خارقاً بفضل جمعها بين البساطة والفعالية وسهولة الاستخدام- في حين انشغلت محركات البحث الأخرى في تقديم تصاميم أكثر جمالاً وحشر أكبر قدر ممكن من الإعلانات..
.. بعد وفاة ستيف جوبز (مؤسس شركة آبل) قرأت سيرته فاكتشفت أن عبقريته تكمن في هوسه في تبسيط الأشياء.. حـين تتأمل مراحل حياته تكتشف أنه في سن الشباب كان مهووساً بصنع حاسبات شخصية يمكن لأي إنسان اقـتناؤها والتعامل معها.. ففي ذلك الوقت كانت «الكمبيوترات» بالغة الضخامة وحكراً على الشركات الكبيرة وتعمل من خلال برمجيات مكتوبة يصعب التعامل معها.. قرر تبسيط الأمور وصنع حاسب شخصي يمكن وضعه فوق الطاولة ويعمل من خلال أيقونات رسومية يمكن تحريكها بالفارة. وبهذا التبسيط (الذي تجاوز الحجم والسعر ولغات البرمجة) خلق سوقاً جديداً وحققت شركته نجاحاً خارقاً.. ومـا أن رضينا نحن بكمبيوتراتنا الشخصية (وأصبحت الفأرة ولوحات المفاتيح أمراً يسهل التعامل معه) حتى قرر هو تبسيط الأمور أكثر وصنع أجهزة لا تضم سوى (زر واحد) فكان الآيفـون والحاسبات اللوحية!!
... والآن.. لـو طلبت مني (تبسـيط) هذا المقال في سبع كلمات فقط سأقول:
العبقرية تكمن في تبسيط الأمـور وليس تعقيدها..
ولو طـلبت مني (تعـقـيده) سأكتفي بسبع عشرة كلمة فقط:
... نحتاج لـمائة أحمق لجعل حياتنا أكثر كآبة وتعقيداً، ولعبقري واحـد فقط لمنحنا حــلاً بسيطاً وفعالاً يمكننا تطبيقه.
فــهـد عـامـر الأحـمدي

فهد عامر الاحمدي