كتاب وأراء

هذه «الثقافة» التي انتصر لها ترامب !

من يراقب السياسة الخارجية الأميركية يجد أنها لا تتحرك بسرعة، إلا عندما يكون الطرف الآخر الذي تعمل ضد هو الشعب الفلسطيني المسكين الذي لا يملك من أمره شيئاً، وجاء المثال الأخير ليؤكد ذلك قبل أيام قليلة، عندما سحب ترامب «الغاضب» بلاده من اليونسكو، أهم منظمة ثقافية وتراثية في العالم؛ لأنه كان ثمة فرصة أن يرأسها عربي مشهود له بالكفاءة والنزاهة والحيادية ولأنها قبلت بعضوية فلسطين تلك الدولة التي لا وجود لها سوى على الخرائط القديمة وفي مخيلة الشعب الفلسطيني المشتت بين عشرات المنافي الإجبارية.
إن سرعة تحرك الولايات المتحدة ضد الشعب الفلسطيني ومصالحه وانتصاراته الرمزية الصغيرة تثير الاستغراب حقاً، فمن جهة ينتصر سيد البيت الأبيض للدولة النووية الأقوى في الشرق الأوسط والقادرة على غزو عدة دول عربية في ساعات، ومن جهة أخرى فإنه يحاول وإدارته- كما الإدارات السابقة- أن يوصلا رسالة واضحة للشعب الفلسطيني مفادها أنه من غير المسموح لهم تحقيق أي انتصار، حتى لو كان رمزياً وتسجيل أية نقاط حتى لو كانت نفسية، ضد الدولة التي قتلت من الفلسطينيين اكثر مما فعلت أي أمة أخرى عبر التاريخ.
هل يعلم السيد ترامب، حامي الثقافة اليهودية، أن الفلسطيني المقيم في الأراضي الفلسطينية لو تزوج بفلسطينية مقيمة في دولة أخرى فإنه لن يستطيع أن يجتمع بها في أية دولة في العالم؛ لأن إسرائيل «المثقفة» لن تسمح لها بالدخول ولأنه كفلسطيني لن يجد دولة تقبل به.. تحت أي نوع الاحترام الثقافي تُصنف هذه السياسة؟
هل يعلم ترامب الذي يخشى على إسرائيل النووية من الكلمة العابرة أن ثمة ملايين الفلسطينيين يمتدون الآن لخمسة أجيال، لا يملكون حتى جواز سفر يسمح لهم بالتنقل بين دولة وأخرى؟ وأنه فيما تخشى إسرائيل من منعها من نهب الأرض والتراث وكل ما هو فلسطيني فإن هم الفلسطيني الأول هو أين سينتهي به المطاف هو وعائلته غداً؟
هل يدرك ترامب- وهو يسحب «القوة العظمى» من اليونسكو- أن إسرائيل الديمقراطية تفرض على كل فلسطيني من الضفة يعيش في الخارج أن يحمل أبناءه وينزل بهم فلسطين فرادى قبل بلوغهم سن الخامسة وإلا فإنهم سيمنعون من دخول فلسطين طوال حياتهم؟ وهل يعلم أنه يتوجب على نفس ذلك الفلسطيني أن يأخذهم جميعاً- أي أطفاله- في كل مرة ينزل فيها إلى الضفة الغربية حتى بلوغهم سن الـ 16 حتى لو أراد النزول ليوم واحد فقط من أجل واجب عزاء وإلا سقطت مواطنتهم إلى الأبد؟!
ترى هل هذه الثقافة والحضارة التي من أجلها سحب ترامب «عزال» أميركا من اليونسكو وتركها غاضباً؟
اعلم سيد ترامب أن كل ما ذكرته آنفاً مجرد تفاهات.. لكن طالما أن الحديث عن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة فلا ضير من بعض «الثقافة» العامة!!
بقلم : لؤي قدومي

لؤي قدومي