كتاب وأراء

عاصفة ترامب هبت .. لم تهب .. !

لا شك ان خطاب الرئيس الاميركي تميز بعدائية استثنائية. ولو انه لم يقلب الطاولة. متسلحا بالتطورات التي باتت حبلى بها منطقة الشرق الأوسط انطلاقا من الأزمة السورية. ويمكن القول إن هذا التصعيد هو أيضا نتاج سلوك الطرفين نفسيهما. إيران التي أمعنت في سياسة التوسع وبسط النفوذ على مدى الرقعة العربية، والتدخل المباشر في شؤون عدد من الدول بدءا من العراق، مرورا بفلسطين واليمن، لترمي بثقلها في سوريا. والولايات المتحدة التي تسلك منذ نحو عقد سياسة تتراوح بين التدخل الفاضح (جورج دبليو بوش) والانكفاء (باراك أوباما) إلى الارتجال الفوضوي للرئيس الحالي.
فقد أعلن دونالد ترامب وقف «تصديق الإفادات» حول التزام إيران بتطبيق الاتفاق النووي، وأعاد عمليا ربطه بدور إيران وأذرعها الميليشياوية في المنطقة. بعكس تماما ما سعى إليه أوباما الذي حاول تحقيق الفصل بين المسألتين. فيما اعتقدت طهران أن بإمكانها اعتماد وسيلة التحايل باستخدام الاتفاق كغطاء للتوسع إقليميا نحو الشرق. واليوم يختار ترامب المواجهة الشاملة. لم يعلن إلغاء الاتفاق، وإنما رفع نبرة التصعيد، ولجأ إلى ما يشبه «التعليق» راميا المسؤولية على الكونغرس. آملا ربما بأن يقرر هذا الأخير إعادة فرض العقوبات على طهران. وراح يستعيد كل محطات العداء بين الطرفين منذ ثمانينيات القرن الماضي. بدءا بتفجير السفارة الأميركية ومقر جنود «المارينز» في بيروت (1983) بعد سنتين فقط على فك الحصار عن السفارة الأميركية في طهران (1981)، وانتهاء بتفجير مقر الجيش الأميركي في الخبر في السعودية (1996)، إلى اتهام طهران بإيواء عناصر من تنظيم «القاعدة» في إيران!
وأعلن ترامب أيضا تصنيف «الحرس الثوري» الإيراني تنظيما إرهابيا رغم أن العقوبات تشمله منذ فترة. وهذا ما كانت تخشاه طهران وحذرت منه بقوة وتعهدت بالرد. لدرجة أن الرئيس حسن روحاني (الإصلاحي) علق على القرار قائلا: «كلنا حرس ثوري». وهذا ما يؤكد أن «الحرس الثوري» ليس مجرد ميليشيا مسلحة للدفاع عن النظام، وإنما هو دويلة قائمة بذاتها يتحكم بالاقتصاد الإيراني بنسبة 70 في المائة بحجم أعمال يفوق المائة مليار دولار من عائدات النفط والغاز والصناعات المختلفة. ويخضع «الحرس الثوري» مباشرة لسلطة «مرشد الثورة» علي خامنئي. فإذا شمل هذا التصنيف كل المؤسسات التابعة لـ»الحرس الثوري» فهذا يعني أننا نصبح أمام ما يشبه إعلان حرب على إيران. كما أن هذا من شأنه أن يشكل إحراجا لدول لها علاقات مع مؤسسات وشركات تابعة لـ «الحرس الثوري» يصنفها ترامب إرهابية، وهي عمليا بمثابة مؤسسات حكومية. عدا عن أنه يحدث تعديلا أساسيا في أولوية السياسة الأميركية بنقل المعركة ضد الأرهاب أو حصرها بـ «الإرهاب الإيراني» في العراق وسوريا ولبنان، ساحات المواجهة الثلاث.
ردة الفعل الإيرانية ظلت مضبوطة إلى حد ما. خامنئي لم يتكلم. روحاني وصف الخطاب بأنه «نسيج من الشتائم والاتهامات التي لا صحة لها». ولفت إلى أن الاتفاق موقع بين إيران والخمس دول الأعضاء في مجلس الأمن وألمانيا، وليس ثنائيا بين أميركا وإيران. ولا يمكن بالتالي لواشنطن أن تعدله متى تشاء وكيفما تشاء. فيما المحافظون ما زالوا يلتزمون الصمت تاركين لروحاني ووزير خارجيته محمد جواد ظريف التكفل بالرد. حتى «الحرس الثوري» نفسه المستهدف يضبط إيقاعه. على إثر لقائه مع ظريف حرص قائده محمد علي جعفر على التأكيد أن «موقف الحكومة و«الحرس الثوري» واحد ولو أن اللغة الدبلوماسية تختلف عن اللغة العسكرية ولكن الهدف واحد».
المفارقة- المعضلة تكمن في أن طهران تمكنت بعد توقيع الاتفاق النووي من مضاعفة صادراتها النفطية، ولكن هذا الوفر لم يترجم مجالات عمل والبطالة إلى تزايد.
فهل تراهن القيادة الإيرانية على موقف الكونغرس؟ أم على الموقف الأوروبي غير المقتنع بإلغاء الاتفاق النووي، ولا حتى بإعادة فرض العقوبات (انظر عقود الشركات النفطية)... أو أن ترامب يريد من الشركاء الأوروبيين إقناع إيران بتعديل بعض البنود التي تمنع المفتشين الدوليين من دخول مواقع عسكرية؟!

بقلم: سعد كيوان

سعد كيوان