كتاب وأراء

رجل كاد أن يكون رسولا

هل سمعتم باليوم العالمي للمعلم؟ هل سمعتم بنشاطات واحتفالات واحتفاليات أقيمت في الخامس من أكتوبر/ تشرين الأول، وهو اليوم الذي اختارته الأمم المتحدة يوماً عالمياً للمعلم؟ وإذا افترضنا أن شيئاً من هذا تحقق، فما مدى تأثيره وامتداده؟ هل نكتفي بمقال في جريدة، واجتماع هنا أو هناك، تلقى فيه كلمات طنانة رنانة تشيد بدور المعلم وأهمية هذا الدور، ثم تعود حليمة إلى عادتها القديمة في إهمال هذا الرجل؟ إن أهمية أي عمل أو وظيفة تتجلى في البريق الذي يحيط بهذا العمل ومدى جذبه للأجيال الصاعدة، واليوم يحلم شبابنا وشاباتنا جميعاً بأن يكونوا نجوماً في الغناء والتمثيل وإلى حد ما في كرة القدم.
هل تذكرون تلك الأيام القديمة التي كان الطالب يُسأل فيها عما يريد أن يكونه في المستقبل، فيقول: «طبيب أو مهندس أو محامي أو مدرس أو ضابط» اختفى بريق هذه المهن كلها ما عدا الطبيب، فجميع الأطفال يريدون أن يكونوا مغنين أو ممثلين، وأول مهنة سقطت من أحلام الصغار كانت مهنة المدرس/ المعلم، لأنها مهنة تقتضي من صاحبها العمل الدؤوب والبحث والتطور، دون مردود اقتصادي واجتماعي يذكر.
كان المسيح عليه السلام يلقب «المعلم» واتفق أهل الفكر والفلسفة والمنطق على أن «أرسطو» المعلم الأول، وقالوا إن «الفارابي» المعلم الثاني، واختار المأمون عالم اللغة الفرّاء ليعلم ابنيه النحو، وذات يوم انتهى الدرس وقام الفرّاء، فتسابق الولدان في تقديم نعليه إليه، ثم اتفقا على أن يقدم كل منهما نعلاً، وبلغ ذلك المأمون، فقال للفرّاء في مجلس: من أعز الناس؟ فقال: ما أعز من أمير المؤمنين، قال المأمون: بلى، من إذا نهض تقاتل على تقديم نعليه وليا عهد المسلمين، فقال: لقد أردت منعهما، فقال المأمون: «لو منعتهما عن ذلك لأوجعتك لوماً وعتباً، وألزمتك ذنباً. ما وضع ما فعلاه من شرفهما، بل رفع من قدرهما، وبيّن عن جوهرهما، فليس يكبر الرجل عن تواضعه لسلطانه ووالده ومعلمه، وقد أعطيتهما عشرين ألف دينار لما فعلاه، ولك عشرة آلاف درهم على حسن أدبك لهما». وقد أحسن شوقي الإحسان كله في بيت خالد:
قـمْ للمعـلـّم وفـِّه التـبـجـِيـلا
كاد المعلم أن يكون رسولا
إن الاعتناء بمُدخلات التعليم: بالمعلم وتكريمه، بالمكان/ المدرسة، بالكتاب المدرسي، خطوات ضرورية لنجاح العملية التعليمية، وتعطينا مُخرجات صحيحة، وبغير نجاحها لن تكون لدينا أجيال تستحق لقب «أجيال المستقبل» نترك شعلة التقدم في أيديها، ونحن واثقون أن هذه الشعلة لن تنطفئ، بل ستزداد توهجاً، وعندها نقول إننا نسير في الدرب الصحيح.

بقلم : نزار عابدين

نزار عابدين