كتاب وأراء

العقل العماني ومهمة تعزيز الحل الخليجي

بدأت صفحات التاريخ العربي المعاصر في الخليج، تُعطي رسائلها العميقة، بعد خلاصات واقعها المضطرب، الذي لم يكن لأحدٍ أن يتصوره، لدرجة أن تعزم دول منه، لاستهداف عسكري لأحد أعضائه، في ذروة الوقت الذي تضطرم النيران من حول الجزيرة العربية، لتُعيد أرضها ميدان حروب قبائل تحتمي بالجاهلية لا العروبة والإسلام، ولسنا بصدد إعادة قراءة تاريخ تشكل الدولة القُطرية، في الخليج العربي، ولا إلى أي مدى حققت استقلالها التنفيذي، وارتباط أمنها بالقرار الأجنبي.
فهي مساحة تحتاج إلى وعي دقيق اليوم، وتقييم كيف كشفت دول الخليج العربي أمنها، أمام هذا النفوذ الدولي والإقليمي ووضعت مصالحها في مهب الريح، لغرض تصفية حساب مع شقيق، تحولت إلى صفقة مع دونالد ترامب، الرئيس الأكثر حمقا لبلده حسب تقديرات أميركية، لكن أفشلته خطط تضارب المصالح، بعد تعثر التوجه الأول في التصعيد.
ومنذ ثلاثة عقود كان النقد يتصاعد، حول قرار مسقط بناء سياسة الحياد الإيجابي، وليس بالضرورة أن نتفق في كل أو في نسبة صحة هذه السياسة، لكن المهم أن نعلن بصراحة حجم العمق الاستراتيجي، والفهم الذكي الذي قاد به جلالة السلطان قابوس خطط سياسته الخارجية، حتى تَحقّق لعمان مركز مستقل، منحها أمناً وقوة إقليمية عربية اعترف بها الجميع لصالح عقلها الحكيم.
لا بد أن نؤكد على أن نجاح السلطنة في المشروع التعليمي والأخلاقي، وسلوك الفرد المنتظم بكل تعايش مع روح الخطاب الإيماني، صاحبَه تطور اقتصادي ثقافي، هو محل غبطة كبيرة من أبناء الشعب العربي في الخليج، مع أشقائهم في عمان، داعين الله بمزيدٍ من التوفيق والرعاية لعمان التاريخ والعروبة، والعهد الإسلامي الحضاري العريق.
لقد استوت الأزمة على جودّي الأعاصير، وأظهرت أن رياح التصعيد العاطفي، والتهديدات التي سيطرت في الصراع الإقليمي العربي في الخليج، انتهت إلى حالٍ بائسة، وتقويض الاستقرار الاجتماعي في بلداننا العربية في الخليج وليس إيران.
ومنذ انفجار نكسة حزيران (يونيو) الخليجية، وقفت السلطنة موقفاً إيجابيا جاداً وحازماً، ساعد قطر في محنة الحصار الأولى اقتصادياً، وفق مصالح مشتركة للبلدين، وساعد موقفها السياسي برفض قرار التصعيد، على عرقلة التطورات السيئة، التي لم تكن لتضر بقطر وحدها، بل المملكة العربية السعودية التي تُدحرج لهذا الصراع المُنهك الغريب.
لقد ساندت مسقط المبادرة، والموقف الشجاع والحكيم من الشيخ صباح الأحمد، أمير الكويت، عبر الوساطة التي رفضت الهجوم الشامل على الإنسان القطري، وقطع الأرحام والفصل ما بين أُسر الخليج الاجتماعية، وأعطى هذا الموقف زخماً كبيراً مهماً للتوازن الخليجي، الذي عزّز اعتدال الموقف الدولي بدءا من أوروبا، ثم الولايات المتحدة الأميركية.
بعد صراع سياسي بين مؤسسات واشنطن، بقيادة تيريلسون وزير الخارجية الأميركي، وبين عقلية الرئيس ترامب، رضخ فيها الأخير، إلى رأي المؤسسات الأميركية، الذي حذره من تفجير منطقة الخليج العربي، من خلال هذه الأزمة، وما قد تدفع له من حرب، فأيقن بخطورة وعده السابق الذي قدمه للرياض وأبو ظبي.
وما يهمنا اليوم الثقة بعد الله، بقدرات عُمان وحكمة السلطان قابوس، وفريق سياسته الخارجية، وأن تكون الأجواء مناسبة لتعزيز الدور العماني لإسناد الكويت، والذي غالباً يجرى ضمن تنسيق العاصمتين، لكن قرار الشيخ صباح الإصرار على تجديد الجهود، قبيل عقد القمة الخليجية، رغم كل التصعيد المؤسف من دول المحور، ضد قطر بل وضد الموقف الكويتي الوسيط، هو ما يحتاج إلى جهود ودعم من عقل مسقط وخبرتها العميقة.
ولذلك فإن من المؤمل مباشرة مسقط، التواصل مع المملكة العربية السعودية تحديداً، لكون تعطيل الصراع بين الرياض والدوحة هو المدخل لوقف آثار انتكاسة حزيران (يونيو) في الخليج، وبالتالي حل ما يمكن حله من أمور عالقة، أو تحييدها لصالح مرحلة فك الاشتباك، وترك العلاقات الخليجية /الخليجية تهدأ.
ومن المهم اليوم استشعار أهمية موقف عُمان، بعدم الانسحاب من المجلس الخليجي خلال فترات سابقة، رغم الحملات الإعلامية السخيفة، فالخلاف السياسي لا يعني القطيعة، ولا النيل من المكانة الاعتبارية لأي دولة، كما أن انصرام الفتنة المذهبية، وعودة المدرسة الإسلامية الجامعة لأبناء الخليج العربي.
والتي ساهم فيها حكمة سماحة الامام أحمد الخليلي، هي محل غبطة وسعادة لكل أهل الخليج والشرق المسلم، خاصة حين أدرك الرأي العام الإسلامي، كيف كانت القضايا المذهبية تخضع لتوظيفات سياسية، توقفت بعد أن توقف التوظيف، وأن تلك الحروب المذهبية لم توقف المشروع السياسي الإيراني وإنما ساهمت في تمكينه.
كما نؤكد بأن الرأي السياسي المتوازن في منطقة الخليج العربي، والفريق المؤمن بدور إيران الطائفي والسياسي السلبي، يتفق مع سلطنة عمان رغم اختلاف التقييم للدور الإيراني، بأن أي حرب أو عمل عسكري يخوضه الغرب ضد إيران، ليس في صالح المنطقة التي تعاني من التفتت المتعدد، وأن حروب الغرب لم تأت بخير على الخليج العربي، منذ ذاكرة تدمير العراق وإسقاطه من التوازن والقوة العربية.
وبالتالي هذا الجهد العُماني في تعزيز جهود الكويت، وعقل مسقط المخضرم، في غرفة عملياتها السياسية، حين يُركّز اليوم على فك الاشتباك في أزمة الخليج العربي، فهو يفتح الباب واسعاً، لإنقاذ المنطقة من دوامة الصراع والحروب، وإقناع الرياض وأطراف الأزمة اليمنية، لوضع خريطة طريق سريعة توقف الحرب الموجعة لكل إنسان يمني، وتستثمر ما تبقى من رمزية للشرعية، التي تُحاصر في عدن من قبل بعض حلفائها، قبل أن تنهار كل رسوم مؤسسات الدولة اليمنية المعاصرة، وتُفتح نار حروب متعددة لا حربا واحدة.
إننا دائماً نبصّر بُعدَ نَظَر في قرار مسقط التريث، في مسألة بعث جهودها المركزة، كما أننا نعرف أن كثيراً من الجهود تجرى تحت نار هادئة، ولعلها اليوم لحظة انعطاف مهمة، تمضي بها عُمان مع شقيقتها الكويت، لإنهاء فعلي لكارثة التصدع الخليجي، الذي مزق مشاعر إنسانه، ويزحف ليُسقط ما تبقى من كيانه، لمصالحة ترامب وجيوبه، على حساب عُمران الخليج وسلامته.

بقلم : مهنا الحبيل

مهنا الحبيل