كتاب وأراء

كثـيراً مـا نـقـرأ

•هذه الصفة شائعة جداً بين الناس مثقفيهم ومتعلميهم وعامتهم «شيق» ويصفون بها أشياء وأموراً كثيرة: وقد كان حفلاً شيقاً، إن حديثك شيق، هذا البرنامج الشيق (إذاعي أو تليفزيوني)، هذا المقال (أو القصة أو التحقيق الصحفي) شيق، حضرنا ندوة شيقة، ويقول ناقد: هذا كتاب شيق.. وهكذا. هذا كله خطأ لأننا نعني أن الحديث أو الحفل أو القصة أو البرنامج ممتع يجذب الناس، وأن فيه عناصر التشويق. قال المتنبي:
ما لاح برق أو ترنم طائر إلا انثنيت ولي فؤاد شيّقُ
وقبله بقرون قال أبو زبيد الطائي المتوفى سنة 41هـ/661م:
من مبلغٌ قومنا النائين إذ شحطوا أن الفؤاد إليهم شيّق ولِعُ
شاق إليه شوقاً «والجمع أشواق» بمعنى «اشتاق اشتياقاً». ونقول أيضاً: شاقني وشوّقني: أي هاجني فتشوَّقت. ونقول: شاقني حسنها وذكرها: أي هيّج شوقي. ونقول: شاقني وجهها فهو شائق وأنا مشوق. ونقول: اشتاقه واشتاق إليه بمعنى واحد. والشيِّق: المشتاق، والمشوِّق: ما يبعث الشوق أو يهيجه.
والفعل «شاق» من أفعال الأضداد، فنقول: شاق إليه بمعنى اشتاق إليه. ونقول أيضاً: شاقه الحسن، فيكون الفاعل «شائق» والفاعل من اشتاق «مشتاق» وقد جمع ابن الرومي (221 ـ 283 هـ/836 ـ 896م) الفعلين معاً:
يضحي إلى بذل السدى والندى وهو مَشُوق القلب مشتاقُه
أشتاق اللغة الناصعة الجميلة، وأنا مشوق أبدي لسماعها نقية على الألسنة، وأجدني في كل حين شيقاً إليها، وأنا كما قال شوقي:
لَو يُجازى المُحِبُّ عَن فَرطِ شَوقٍ لَجُزيتُ الكَثيرَ عَن أَشواقي

وكثيراً ما نسمع كلمة «ممنون» بمعنيين: الأول بمعنى شاكر، فيقول قائل «أنا ممنون له لأنه وقف إلى جانبي» والثاني: «أشكرك ولا أريد» كأن تدعو أحداً إلى طعام أو شراب أو غيره، فيقول «ممنون» أي إنه يمتنع، ولكنه يشكر لك دعوتك، والغريب أنه يضع يده على صدره، ولا أعرف معنى هذه الحركة.
روّج الإعلام وبعض المتأدبين كلمتي «ممتنّ» و«امتنان». والأولى اسم فاعل من فعل «امتنّ» والثانية مصدر من الفعل نفسه، وكل هذه الاستعمالات خطأ، بل تؤدي عكس المقصود.
هذه الكلمات وأخرى كثيرة نستعملها في كلامنا وفي كتاباتنا، تعود إلى جذر واحد هو «المنّ» أو إلى فعل واحد هو «منّ» وفي الأصل يعني قطع. و«المنين» الحبل الضعيف. وحبل «منين» إذا قدم وتقطع، ويقال أيضاً «رجل منين» أي ضعيف، كأن الدهر منّه، و«المنة» بضم الميم القوة. و«منين» تعني القوي أيضاً، فهي من كلمات الأضداد. و»المنون» الموت.
وتقرأ (أو تسمع): «عبّر المشاركون عن جزيل الشكر والامتنان» أو «وكان ممتنّاً (بتشديد النون) لتلقيه المساعدة» وهم يقصدون الشكر، لكن هذا خطأ.
«ممتن» و«امتنان» من الجذر نفسه، وهو «منّ» كما أسلفنا (بتشديد النون). ومنّ عليه: أحسن وأنعم، والاسم: المنّة (بكسر الميم). و«منّ عليه وامتنّ وتمنن» قرّعه بمنّة. وقد ورد فعل «منّ» منفرداً أو مع أحد الضمائر ست عشرة مرة في القرآن الكريم.
ووردت كلمة «ممنون» أربع مرات، ودائماً مقترنة بالأجر كقوله جل ثناؤه «وإن لك لأجراً غير ممنون» (القلم 3) وجاء في التفسير: غير محسوب. ومعناه أن الـلـه سبحانه لا يمن عليهم فاخراً أو معظماً كما يفعل بخلاء المتنعمين، وقيل: غير مقطوع، من قولهم: حبل منين، إذا تقطع. نستنتج من هذا كله، أن كلمة «ممنون» لا تعني ما نرمي إليه عندما نستعملها.
نأتي إلى كلمة «امتنان» وهي مصدر «امتن» وقلنا إن «امتنّ يمتنّ امتناناً» (ودائماً بتشديد النون) تعني «قرّعه بمنّة» فكيف استقام القول «خالص الشكر والامتنان»؟ ولم يرد الفعل ولا المصدر في القرآن الكريم، ولكنه ورد كثيراً في الشعر العربي، كقول ابن الرومي:
لكمْ علينا امتنانٌ لا امتنان به وهل تَمُنُّ سماوات بأمطار؟
ولو قالوا «بالغ الشكر والعرفان» لكان أفضل. و«العرفان» يعني العلم، أي إننا نشكر لكم صنيعكم، ونقرّ به، لأننا نعرفه، كقول الفرزدق:
يكاد يمسكه عرفان راحته ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم

وكثيراً ما نسمع أو نقرأ كلمتي «داهم ومداهمة» فمثلاً «داهـمـت قوات الاحتلال الإســرائيلي قـريـة» و«قامـت قـوات الشــرطة بمـداهـمة أوكار العصابة» و«قتل شرطيان وأربعة من المدنيين في مداهمة» وهذا كله خطأ.
المداهـمة مصدر من الفعـل الرباعي داهَم: داهـم يداهم مداهـمة، مثل: صالح مصالحـة، أو نازل منازلة، أو بايع مبايعـة، ولكن فعـل «داهم» غـير صحيح والفعل الصحيح هـو “»دَهَـم» يدهَم دهْماً. ودهَم الأمرُ الرجلَ: «غشِيه وفاجأه». قال عَدِيّ بن الرِّقاع العاملي المتوفى عام 95 هـ/ 714م:
إن يدهَمـوا يَطِـدوا بالصبر أنفسَـهـم ولن يقوم لهم في الحرب من دَهَموا
الـدَّهْم مصدر فعل دهَم كما رأينا، لكن الدهم تعني أيضاَ العدد الكثير، وجيش دَهْمٌ أي كثير. وجاءهـم دَهْـمٌ من الناس أي كثير. قال الشاعر وأتى بالفعل بصيغة الماضي والحاضر، كما أتى بالدهوم وهي جمع الدهم:
جئنا بدهم يدهم الدُهوما مجْرٍ كأن فوقه النجوما
والدَّهْماء: الجماعة من الناس. يقال دَخَلْتُ في خَمَرِ الناس أي في جماعتهم وكثرتهـم، وفي دَهْماء الناس أَيضاً مثله، قالت ليلى بنت طريف الشـيبانية في رثاء أخيها الوليد بن طريف الذي كان من رؤوس الخوارج، وكان قد خرج أيام الرشيد فقتله سنة 179هـ:
فقدناك فقدان الربيع وليتنا
فديناك من دهمائنا بألوف
وصارت الدهماء حديثاً تعني الجماعة غير المنظمة، قال المعري:
وتَـغَـشّى دهْـماءَنـا الـفـَيُّ لـما
عُطِّلت من وُضوحِها الدَّهماءُ
وقد تقـترب الدهماء في هذا المعـنى من الغـوغاء، والفـرق بينهـما أن الدهـماء تعني الكثرة فحسـب، أما الغَـوغاءِ فـأصلها الجَـرادُ حيـن يخِـفُّ لـلطَّـيران، ثم اسـتعـير للسَّفلةِ من الناسِ والمُتسـرِّعـين إلى الشـرِّ، ويجـوز أن يكون من الغـوْغاءِ الصوتِ والجَـلـبـةِ لكثـرة لغَـطهـم
وصِياحهم.

ونسمع ونقرأ كثيراً «وأطاح به انقلاب عسكري» وقالوا إن الصحيح «أطاحه» لأن الفعل يتعدى بنفسه وليس بحرف الجر، والأصل فيه «طاح» هلك وسقط وذهب، أو أشرف على الهلاك. والأقوى «طوّحه وطوّح به»: ذهب به ههنا وههنا. و«تطوّح»: ذهب وجاء في الهواء. لكننا نجد في المعجم «أطاح ماله وطوّحه» أي أهلكه، وهكذا نستنتج أن «أطاح» بمعنى «طوّح» وبما أن طوّح يتعدى بالباء فنقول «طوّحه وطوح به» فإن أطاح يمكن أن يتعدى بنفسه، ويمكن أن يتعدى بالباء، فنقول: أطاحه وأطاح به.

يظن بعض الناس أن قولنا «الشاعر إيليا أبو ماضي» خطأ، وكان يجب القول «إيليا أبي ماضي» لأنه مضاف إليه مجرور، واسم «أبو» من الأسماء الخمسة التي ترفع بالواو وتنصب بالألف وتجر بالياء، لكن المتفق عليه هنا أن «أبو ماضي» صار اسم علم، وبالتالي لا تتغير صيغته حسب موقعه من الجملة. دعونا نتذكر أن أبو ظبي أكبر الإمارات العربية المتحدة، ولا نقول: جاءت أبو ظبي في المرتبة الأولى، و: زرت أبا ظبي مرة واحدة، و: في طريقي إلى أبي ظبي، بل نوردها «أبو ظبي» دائماً.
بقلم : نزار عابدين

نزار عابدين