كتاب وأراء

أزمة الخليج الثقافية

لايطير اليوم في سماء الخليج ولايحط على افرع اشجاره ولايسهر لياليه ولا يحمل اخباره ولايستشرف مستقبله إلا الغراب والبومة برمزيتهما في الثقافة العربية. فالبوم طائر يكثر ظهوره في الليل ويسكن الخراب ويضرب به المثل في الشؤم، والغراب نذير شؤم كذلك وظهوره يدل في ذهنية العربي على امر غير سعيد يلوح في الأفق. خليجنا اليوم يحتاج إلى الخروج من أزمته الراهنة بإعادة النظر في ثقافته التي أوصلته إلى هذه الحالة القاتلة من التشاؤم والتي حولت الرمز إلى حالة مكتملة، الأزمة اليوم في الخليج هي أزمة ثقافية أكثر منها سياسية، هناك إدراك بهشاشة الإدارة وهناك تشبث في المحافظة على هذه الهشاشة، لذلك التشاؤم ورمزية الغراب والبومة هما السائدان في الثقافة العربية. لم يستطع الغرب الخروج من أزمته إلا بعد تعامل مع الرموز في ثقافته بشكل مختلف، تخلص الغرب من الحكم المطلق على الاشياء بالحكم النسبي، فتحولت الرموز في ثقافته من رموز مطلقة إلى رموز نسبية وبما فيها الإنسان، بينما الحال عندنا، ان الزعيم إما غراب «بين» أو حمامة خير. وقد ينقلب إلى الضد بعد رحيله. رمزية الغراب والبومة التشاؤمية المثبتة دائما في أذهاننا وغيرها كثير من الرموز، تجعل من التحول بل من السياسة أمرا صعبا «نتفاءل خيرا بمقدم........ كرئيس أو كزعيم أو حتى كوزير» مثل هذه الجملة عندنا تدل على اننا ننظر إلى الأمور من خلال الرموز الثابتة في ثقافتنا، بينما هذا غير موجود في الغرب، لأنه حتى الرموز خضعت للتربية السياسية وابتعدت عن شكلها الرمزي المطلق، لذلك طائر البوم في الثقافة الغربية يدل على الحكمة والزهد والصبر والوعظ، فهو يقف على الاطلال واعظا، ومذكرا، والغراب في الثقافة الغربية من أذكى الطيور، لذلك عندما تحدث أزمة في الغرب تجد تحاليل مختلفة، ورؤية نسبية ولا ترى عائقا أمام الحل يسببه رمز من الرموز بشرا كان أم نصا لأنها تحولت من صورتها الثقافية الصلبة إلى معنى آخر إنساني نسبي، الرموز تعمل من خلال النظام لا أن تحتكر النظام بما فيها الرمز الثقافي، بل أن هيغل ذكر أن في عبارته الشهيرة «أن بومة «منيرفا» لاتطير الا بعد أن يرخي الليل سدوله» ويقصد بذلك الفلسفة انها تتحرك عندما يكتمل الوضع الراهن لتبدأ في دراسته وتحليله. ولا يبدو أنها ستطير في اجوائنا قريبا، واكثر من ذلك لو أنصفنا البومة سياسيا لركزنا على فضيلة كبيرة لها وهي تنقض على الفئران والجرذان، فئران الظلام وجرذان التخلف الذين يملأون الفضاء العام والفضاء الافتراضي لتويتر والفيس بوك.

عبدالعزيز محمد الخاطر