كتاب وأراء

عدوى تقرير المصير

حُمَّى حق تقرير المصير والمطالبة بالانفصال أصبحت حُمَّى عالمية، لا تُهدِّئ سخونتها المكمدات الباردة ولا المضادات الحيوية. قبل أيام أعلنت المفوضية العليا للانتخابات في أربيل، نجاح عملية الاستفتاء حيث أيَّدَ الأكراد عملية الانفصال، وبلغ عدد المصوتين بـ«نعم» 92 %، وحوالي 7 % صوتوا بـ(لا). عقب ذلك بأسبوع، تمكن إقليم كتالونيا من تنظيم استفتاء الانفصال عن إسبانيا، وصوت 90 % من الناخبين، حسب سلطات الإقليم، بـ«نعم». شارك في استفتاء كتالونيا نحو 2.26 مليون شخص، وبنسبة إقبال بلغت نحو 42.3 % من إجمالي عدد الناخبين في كتالونيا البالغ 5.34 مليون.
لم تَحْظَ نتائج استفتاء كردستان بأدنى تأييد من دول الإقليم، ولا من الدولة الأم (العراق)، وقُوبِلَتْ النتائج بتحفُّظٍ من الدول الكبرى.
الحكومة العراقية رفعت على الفور عصا العقوبات، وقرَّرتَ إيقاف الرحلات الجوية من إقليم كردستان العراق وإليه، على أن يظل الإيقاف سارياً لحين خضوع مطارَي أربيل والسليمانية للسلطة الاتحادية. وقُوبلت كذلك نتائج استفتاء كتالونيا بالرفض المشدَّد من قِبَل الحكومة الإسبانية بمدريد وبالبرود التَّام من قِبَل القوة الدولية.
في هذه الأجواء، عُقد قبل أيام مؤتمرٌ استثنائي للحركة الشعبية شمال السودان بقيادة عبدالعزيز الحلو، طالبت خلاله الحركة بحق تقرير مصير منطقة جبال النوبة. عقدت الحركة المؤتمر في منطقة هيبان بجنوب كردفان في الفترة من 4-7 أكتوبر بمشاركة 475 من مناطق جبال النوبة، وأقرَّ المشاركون بحق تقرير المصير لجبال النوبة.
ولا يُعد حق تقرير المصير لجبال النوبة بالمطلب الحديث، بل ظل مطلباً متجدداً تسبب كثيراً في تعليق مفاوضات السلام بين الحكومة السودانية والمتمردين في منطقة الجبال.
في أبريل الماضي، علَّق مجلس جبال النوبة المفاوضات وأقال الأمين العام للحركة ياسر عرمان بسبب رفضه إدراج مطلب تقرير المصير خلال المفاوضات مع الحكومة السودانية.
الجميع على اتفاق على أن الغرض من رفع كرت تقرير المصير من قِبَل الحركة الشعبية، غرضٌ تكتيكيٌ متعلقٌ بالمفاوضات.
عبدالعزيز الحلو يُحاول عبر هذا الكارت استقطاب آخرين لخطِّه ورؤيته، ولم يجد سبيلاً لذلك سوى التطرُّف في المواقف والتشدُّد في الخيارات والمُزايدة على خصميه في الحركة عقار وعرمان، في سبيل استقطاب قواعد الجيش الشعبي من أبناء جبال النوبة.
عبدالعزيز آدم الحلو شخصية مُركَّبةٌ، ويبدو في سَمْتِه العام رجلاً هادئاً وخلوقاً وودوداً في تواصله مع الآخرين، ومن السهولة أن تبني معه علاقةً شخصيةً مُتميِّزةً، لكنها دوماً قابلةً للانتكاس.
وفي الجانب الآخر، يبدو الحلو شخصاً مُتطرِّفاً في مواقفه، تغلب عليه السِّمة العسكرية، شديد الإيمان بالعمل المسلَّح، واسع الشك والظنون في الآخرين.
لا يفهم عبدالعزيز الحلو أن عقارب الساعة لا ترجع إلى الوراء، وأنه لن يستطيع إعادة إنتاج نسخة جديدة من اتفاقية نيفاشا التي ترتب عليها انفصال جنوب السودان. العالم لن يسمح بانفصال جبال النوبة، وجمهور المنطقة لن يستجيب لهذا النداء.
لم يعدْ مطلب تقرير المصير عملة صالحة للتداول، ولا بضاعة قابلة للتسويق، ما حدث في دولة الجنوب يكفي لتوفير العِبَر والدروس.
هي أيامٌ وشهور بدولة جنوب السودان تعالت فيها أغانٍ وشعارات فرحاً بقرار الانفصال عن دولة السودان، ولكن سرعان ما ساء الوضع، واستيقظت الفتن ونشب الخلاف والصراع بين رُفقاء الأمس، على كيكة السلطة والثروة.
تضعضعت مقاعد السلطة وتبدَّدَتْ الثروة، ولم يبْقَ غير طائر الشؤم ينعق نشيدَ الخراب.
حربٌ طاحنةٌ لا تُبقي ولا تَذَر، آلاف القتلى والمُعاقين، وأكثر من مليونَي نازح. لكل ذلك سيدرك عبدالعزيز الحلو أن العالم ليس على استعداد للتعامل مع مأساة جديدة تُضاف إلى مآسي دولة جنوب السودان.

بقلم : ضياء الدين بلال

ضياء الدين بلال