كتاب وأراء

وكالة الأونروا على «كفِّ عفريت»

كّسرَت دول الاتحاد الأوروبي المواقف الخفية الداعية لإنهاء وشطب وكالة الأونروا، حيث أقدمت دول الاتحاد قبل أيامٍ قليلة على توفير دعمٍ مالي جديد لميزانية الوكالة، ولتعود كممول رئيس لعملها.
الدلائل تُشير بأن الولايات المتحدة و«إسرائيل» تنشطان في كواليس الدبلوماسية السرية من أجل وضع وكالة الأونروا على «كفِّ عفريت» من خلال تجفيف مواردها، وإدامة العجز المالي في مُختلف مؤسساتها، على طريق إنهائها وإحالتها على التقاعد، وهي العمليةِ التي بدأت بشكلٍ ملموس منذ وقتٍ طويل، وتحديداً منذ بدءِ مفاوضاتِ التسويةِ العربيةِ/ الإسرائيليةِ» بُعيد انعقاد مؤتمر مدريد للتسوية أوائل أكتوبر العام 1991.فوكالة الأونروا من الوجهةِ «الإسرائيليةِ» الأميركيةِ باتت لاضرورة لها، ويجب شطبها وإنهائها، باعتبارها تُمثّل الشاهد التاريخي والأممي الحي على الجريمة الكبرى التي ارتكبت بحق الشعب الفلسطيني عام 1948 عندما أقيمت دولة «إسرائيل» على أنقاض كيانه الوطني والقومي.
الدور الأميركي و«الإسرائيلي» المشبوه لإلغاء وتغيير منحى عمل وكالة الأونروا على طريق إحالتها على التقاعد، يتبيّن لنا من خلال عدةِ خطواتٍ تراكمية، حاولت الولايات المتحدة تمريرها خلال السنوات الماضيةِ التي رافقت انطلاق عملية تسوية مدريد/أوسلو على المسار التفاوضي الفلسطيني مع دولة الإحتلال، ومنها محاولة تغيير المناهج في مدارس الوكالة، وخاصة منها المواد الاجتماعيةِ، كتغيير خريطة فلسطين وأسماء مدنها وقراها، وشطب رواية النكبة من كتب التاريخ وتدريس قصة الهولوكوست اليهودية في مدارس الوكالة... (تصورا حجم الفجاجة..!) وقد أحبط هذا المشروع في بداياته عندما رفضت الجهات الرسمية في دول الطوق المضيفة للاجىء فلسطين (سوريا + لبنان + الأردن) أي تعديلٍ يتنافى مع المناهج الوطنيةِ والاجتماعيةِ التي تُدرّس في مدارس الوكالة في المخيمات والتجمعات الفلسطينية، خصوصأ في الجانب المتعلق بالقضية الفلسطينية.
ومن تلك الخطوات أيضاً، سعي الولايات المتحدة لتغيير اسم الوكالة عبر موقعها الرسمي، ليصبح اسمها وكالة الأمم المتحدة للاجئين فلسطين، بدلاً من اسم الوكالة المعروف بـ (وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى)، إلا أن ردود الفعل الفلسطينية، وتحرك الجامعةِ العربيةِ دفع نحو إفشال تلك الخطوة.
وبالطبع، إنَّ الإجراء الذي حاول واشنطن فيه تغيير اسم الوكالة، هو عمل غير بريء، ولم يأت من فراغ، وهو إجراء خطير، له أبعاد سياسية كبيرة، فتغيير مسمى الوكالة يحمل في ثناياه مؤشرات ستؤدي لتغيرات جذرية إزاء عمل هذه المؤسسة الدولية المعنية بشؤون اللاجئين الفلسطينيين. وهنا علينا أن نلاحظ وجود حملات إعلامية مكثفة تقودها أطرافٍ «إسرائيليةٍ» في الغرب تسعى لإلغاء دور الوكالة الدولية (الأونروا) واستبدالها بالمفوضية العليا لشؤون اللاجئين، الأمر الذي يُهدّد قضية اللاجئين الفلسطينيين وحقهم بالعودة، ويساوي بين قضية اللاجئين الصوماليين أو العراقيين أو الروهينغا أو غيرهم … حيث بون شاسع بين لاجىء اضطر لمغادرة وطنه تحت لظروفٍ طارئةٍ، وبين لاجىء تم نفيه وشطبه وإحلال الآخرين مكانه على أرض وطنه في عملية (ترانسفير وتطهير عرقي) لم يَشهد لها التاريخ البشري مثيلاً ولا حتى مع الهنود الحمر في القارة الأميركية ولاحتى مع سكان نيوزلندا واستراليا الأصليين.
ان استمرار عمل وكالة الأونروا ليس فقط ضرورة كبرى من أجل تقديم الخدمات لمجتمع اللاجئين الفلسطينيين بجوانبها الثلاثة: الصحية والإغاثة الاجتماعية وخدمات التعليم، بل ضرورة باعتبارها ذات بعد وطني لها علاقة بتأكيد قضية اللاجئين الفلسطينيين.
بقلم : علي بدوان

علي بدوان