كتاب وأراء

الاستحقاقات الغائبة في الترويج لاستئناف عملية السلام


من كثرة تداولها دون وجود مؤشرات من الواقع تؤكد إمكانية تحققها، لم تعد عبارة الفرصة التاريخية للسلام بين إسرائيل والفلسطينيين موضع مصداقية، وضاع المعنى الحقيقي لها، لتصبح عنوانا مثيرا وجذابا لا يخرج عن كونه بابا من أبواب الأمنيات الطيبة لا أكثر.
لا أحد في المنطقة العربية لا يتمنى النجاح للمصالحة الفلسطينية، ولا أحد يعترض على ظهور أي فرصة تاريخية لإحلال السلام في الشرق الأوسط لأنه فرصة عربية وفلسطينية قبل أن يكون فرصة لإسرائيل وحلفائها. لقد حدث الانقسام بين الفلسطينيين من قبل نتيجة الخلاف بين فتح وحماس على السلطة في القطاع، وعلى عملية السلام ذاتها بين السلطة الفلسطينية والحكومات الإسرائيلية المتعاقبة.
والآن قطعت المصالحة نصف الطريق وجزئيا أيضا بعد أن ألغت حماس اللجنة الإدارية وعادت حكومة الوفاق إلى غزة، ومن شأن ذلك تخفيف الحصار وليس إلغاؤه لأن الطرف الرئيس في وجوده هو إسرائيل التي لم ترحب بالطبع بهذه المصالحة في جولتها الجديدة.
وليس خافيا أن ملف المصالحة لا يقف عند مشكلة من يدير السلطة في القطاع حيث يظل الملف الأمني عقبة كؤود يمكن أن تعيد عقارب المصالحة إلى الوراء مجددا!. فحماس لا تعترض على أن تكون المسؤولية الأمنية المعتادة في يد الحكومة، ولكن ترى أن هناك سلاحين أحدهما للحكومة لضبط الأوضاع الأمنية، وسلاح آخر هو سلاح المقاومة الذي لا تفريط فيه بحكم أن الحركة قامت أساسا لتكون حركة مقاومة طالما الاحتلال لا يزال قائما، بينما السلطة تريد سلاحا واحدا.
الشق الثاني من الخلاف لا يزال قائما، وهو المتعلق بعملية السلام ذاتها. وهنا فإن حماس لم تعلن مطلقا أنها تخلت عن اعتراضها الاستراتيجي على الطريقة التي تتم بها عملية السلام سواء من جانب السلطة الفلسطينية أو غيرها.
ولكن حدث تطور في رؤية حماس، وذلك عندما أعلنت موافقتها على إقامة دولة فلسطينية على حدود ما قبل الرابع من يونيو 1967، وأنه لا حروب على غزة ولا حروب في غزة. الأمر الأول يعنى ضمنا أن حماس وافقت على وجود دولة إسرائيل وعلى جوهر عملية السلام، حيث الدعوة إلى حل الدولتين: إسرائيل وفلسطين. والأمر الثاني يعني أن حماس لا تريد أن يكون موقفها المضاد لعملية السلام سببا، لا في اعتداءات جديدة من جانب إسرائيل، ولا في تجدد الخصومة السياسية مع السلطة الفلسطينية.
وهاتان الإشارتان لا تبرران الترويج لعبارة الفرصة التاريخية، لأن الحديث حقا عن هذه الفرصة لا يكون موضع ثقة ومصداقية إلا إذا كانت تدلل عليه تصرفات مطبقة فعلا على أرض الواقع، وهو ما لا ينطبق على النتائج الأولية التي رشحت عن الجولة الجديدة للمصالحة. وعلى سبيل المثال أطلق الرئيس المصري الراحل أنور السادات هذه العبارة بعد الانتصار في حرب أكتوبر على إسرائيل بأربع سنوات كاملة، عندما بادر بالذهاب إلى إسرائيل.
المشهد الراهن على الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي لا يتضمن أية علامة على حدوث اختراق في عملية السلام يمكن أن يوصف بالفرصة التاريخية. إسرائيل ردت مبدئيا وسريعا على المصالحة بالرفض، وهو رد فعل متوقع لأسباب معروفة للكافة، ولكن إن كان هناك حديث جاد عن الفرصة التاريخية فمن مؤشراته مثلا أن يذهب نتانياهو رئيس وزراء إسرائيل إلى رام الله معلنا اعترافه بالدولة الفلسطينية ووقف الاستيطان والدخول في مفاوضات لإنهاء الاحتلال وفق جدول زمني محدد، وأن نجد حماس شريكا في هذه المفاوضات، وأن يكشف لنا الرئيس الأميركي عن مشروعه لإحلال سلام عادل ودائم بين الطرفين لا أن يظل المشروع خافيا. وبما أن شيئا من هذا غير وارد في الحسبان، بالإضافة إلى أن حماس لم تتراجع عن خيار المقاومة ولن تقبل بإلغاء سلاح المقاومة بغض النظر عن قبولها بإقامة الدولة على حدود 67، فإن استحقاقات الفرصة التاريخية لا تزال غائبة.
بقلم : د. عبد العاطي محمد

عبدالعاطي محمد