كتاب وأراء

سوريا .. مفارقات عجيبة

تنطوي الحالة السورية على مفارقات عجيبة. الأزمة التي دخلت عامها السابع شهدت تحولات ملفتة لجهة التحالفات والاصطفافات لدرجة لم يكن ممكنا تخيلها.
عاملان رئيسيان أسهما في إحداث تغيير جوهري على خريطة التحالفات،الأول تمثل بالتدخل العسكري الروسي الذي فرض إيقاعه على الأحداث في الميدان مع تراجع دور واشنطن. العامل الثاني سابق على الأول متصل معه أيضا وهو هيمنة المجموعات المتطرفة على الثورة السورية، فمع ظهور داعش والقاعدة شعرت دول المنطقة بالخطر من تداعيات الأزمة في سوريا، وترافق مع ذلك تطور خطير تمثل ببروز النزعة الانفصالية لدى أكراد سوريا مما يشكل تهديدا كبيرا لدول الجوار وبالأخص تركيا التي وجدت نفسها مضطرة لتنفيذ عملية عسكرية واسعة «درع الفرات» لاحتواء خطر الجماعات الإرهابية؛ داعش وحزب العمال الكردستاني بعد سلسلة من التفجيرات الإرهابية الدامية في عموم الأراضي التركية.
شعرت تركيا بالخذلان من الموقف الغربي والأميركي تحديدا، ومع انكفاء دور الرياض وغرقها في الوحل اليمني، لم تجد أنقرة بدا من التعاون مع روسيا لحماية مصالحها.
عملية درع الفرات كانت بتنسيق مع روسيا، والعملية التي انطلقت مؤخرا في إدلب هي محصلة تفاهمات تركية روسية إيرانية في إطار ما عرف بعملية أستانا التي جمعت الدول الثلاث بهدف خفض التصعيد في سوريا ووقف إطلاق النار لتمهيد الطريق أمام حل سياسي وفق بيان جنيف الأول.
ومن بين المفارقات في المشهد السوري حاليا أن مجمل التحولات الأخيرة أحدثت تناقضا كبيرا بين مفهومي وحدة سوريا وسيادتها.
في سوريا حاليا «4» مناطق خفض توتر، لا تستطيع قوات النظام أن تطلق فيها طلقة واحدة، وتتقاسم السيطرة فيها مع مجموعات المعارضة المسلحة.
إلى جانب ذلك هناك وجود تركي في مناطق درع الفرات، وإدارة ذاتية في مناطق سيطرة الأكراد. إيران والمليشيات التابعة لها تسيطر على مناطق عديدة في سوريا، قوات تركية في إدلب وروسيا حاضرة في كل مكان وتسيطر على الأجواء في سوريا. وفي الأطراف قواعد أميركية، ولا ننسى أن القوات التي تقاتل في الرقة وتستعد للسيطرة عليها تتبع للأكراد.
سوريا في هذه الحالة تبدو بلدا موحدا من الناحية الجغرافية، لكن السيادة فيها موزعة على عدة قوى داخلية وأجنبية.
عادة ما كانت وحدة الدول ترتبط بسيادتها غير أن النظام المركزي في سوريا لا يحوز على سيادة فعلية على الأرض باستثناء دمشق المدينة وبعض مراكز المحافظات.
والعجيب في الوضع القائم أن السلطة ممثلة في النظام الحاكم موزعة هي الأخرى على قوى مختلفة لا مرجعية موحدة لها؛ مليشيات سوريا تقاتل إلى جانب النظام صنعت لنفسها آليات خاصة لممارسة السلطة والنفوذ في عديد البلدات والأحياء، ومليشيات مذهبية أجنبية تسيطر على مفاصل ومعابر بين المدن وتفرض على السكان دفع الأموال لقاء توفير الحماية وتستوفي الرسوم الجمركية أيضا.
عندما يبلغ الوضع هذه الدرجة من التعقيد لن يفاجأ المرء بما يحصل من تبدلات في التحالفات فكل الأطراف في سوريا وحولها تلهث خلف مصالحها، ولا نعلم بعد متى ينتبه المتنافسون والمتصارعون لمصلحة سوريا وشعبها؛ سوريا الموحدة وذات السيادة على أراضيها.

بقلم : فهد الخيطان

فهد الخيطان