كتاب وأراء

لصالح من؟

يعد «أجنازيو سولينه» الكاتب الايطالي من أشهر الكتاب الذين نددوا بالظلم والقمع الاجتماعي والفقر وكتبوا عنه بإسهاب، سجن وتعرض لخطر الاعتقال أكثر من مرة، عاش مريضا ومطاردا ومنفيا ومحروما من شتى سبل كسب العيش ومع ذلك لم يتخل عن مبادئه التي آمن بها، ووجد خلاصه في الكتابة الادبية، وفي المنفى كتب رائعته الشهيرة «فونتمارا» التي ترجمت لعدة لغات وطبعت عشرات المرات، وتتناول الرواية قصة واقعية عن اضطهاد السلطة لفلاحي جنوبي إيطاليا البؤساء الذين طالبوا بحقوقهم لتحويل المجرى المائي الذي يروي أرضهم، وأعطاها سيلونه اسم قرية وهمية في إقليم أبروتسو.. وعبر الكاتب عن ذلك في بداية الرواية بقوله: «ظننت أنه لم يعد لدي ما أعيش من أجله، ولذلك بدأت في كتابة قصة تحت عنوان «فونتامارا» لقد
بنيت في مخيلتي قرية بذكريات مريرة، وبدأت العيش بها، كانت قصة بسيطة إلى حد ما، ولكنها كانت ذات صفحات قاسية، وجذبت أنظار الكثير من القراء من مختلف البلدان على غير المتوقع، نظرًا للشوق والحب الذي كان يغذيها ويحركها» أما الحادثة التي انطبعت في مخيلته وكانت الدافع والمحرك لكل أفكاره وكتاباته فيما بعد فقد حدثت حين كان في الخامسة من عمره، وحدثت كما رواها: «كنت أعبر ميدان قريتنا الصغير في يوم أحد، ويدي في يد أمي، عندما شاهدت هذا المنظر القاسي.. منظر رجل من الأشراف وهو يسلط كلبه الضخم على امرأة فقيرة كانت خارجة لتوها من دار العبادة، لقد انطرحت المرأة على الارض وتعرضت لأذى شديد، وتمزق ثوبها.. ووقف أهل القرية ينظرون للحدث بسخط.. ولكنه سخط صامت لا يعلن عن نفسه، ولم أستطع أن أفهم من أين جاءت لتلك المسكينة القدرة على اتخاذ الاجراءات القانونية ضد «الشريف وكلبه» وقد كانت النتيجة أن أضيف الاستهزاء بالعدالة نفسها إلى ما وقع على المرأة من ضر وأذى، ومع ان كل الناس- قد أسفوا لها وتعاطفوا معها الا أن ولا واحد منهم تقدم للإدلاء بشهادته أمام القاضي، ولم يتطوع محام للدفاع عنها، في حين حشد محامي المعتدي عددا كبيرا من الشهود المرتشين الذين سردوا القص بطريقة ممسوخة قلبت الحق باطلا، واتهموا المرأة بأنها هي التي أثارت الكلب، واما القاضي الذي عرف عنه النزاهة والامانة فقد أصدر حكمه ببراءة الشريف، وأدان المرأة الفقيرة، وأمرها بأن تدفع تكاليف القضية، وقد دافع القاضي عن نفسه بعد ذلك ببضعة أيام في منزلنا قائلا: «لقد سار الأمر على عكس ما كنت أشتهي وأتمنى.. وأقسم لكم بشرفي أني أسفت لذلك كثيرا، ولكن حتى لو كنت من بين من حضروا هذه الحادثة المؤلمة وانتقدت فاعلها بصفتي مواطنا عاديا، الا انني كقاض ملزم بأن أحكم حسب البيانات التي أمامي.. وكانت كلها لسوء الحظ في صالح الكلب! وعلقت أمي على قوله بسخرية: «حقا.. يالها من مهنة فظيعة.. مهنة القاضي هذه.. انه لخير للإنسان أن يبقى في بيته ويغلق بابه عليه، يا بني عندما تكبر اختر أي مهنة تحب.. إلا مهنة القاضي».

بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري