كتاب وأراء

هل فقدت الهند موعدها مع التاريخ؟

في عام 1947 (15 أغسطس)، نشر الكاتب الأميركي المتحدر من أصول افريقية «دي بوا» دراسة اعتبر فيها استقلال الهند عن بريطانيا أعظم حدث في التاريخ المعاصر للإنسانية. ووصفه بأنه أعظم من اعتماد الديمقراطية في بريطانيا، أو أهم حتى من تحرير الأفارقة المستعبدين في أميركا.. وأهم كذلك من الثورة الروسية. وتتمثل أهمية استقلال الهند في رأي دي بوا في «أن الرجل الأبيض لم يعد بسبب لون بشرته قادراً على أن يبسط سيادته وسلطته على الشعوب الملونة». ولكن في عام 2017 (ابريل)، نشرت وثيقة وقعها ممثلو اربعين دولة افريقية تندد بالسياسة العنصرية وبالاعتداءات التي يتعرض لها الأفارقة في الهند على خلفية عنصرية.
وطالبت المذكرة مجلس حقوق الإنسان في منظمة الأمم المتحدة اجراء تحقيق في الانتهاكات المتعمدة والتي تصاعدت حدّتها– حسب ما ورد في الوثيقة- بعد وصول الحزب الوطني الهندوسي برئاسة نارندرا مودي إلى السلطة في عام 2014.
في عام 1947 بنى الكاتب الأميركي «دي بوا» نظريته على آراء ومواقف المهاتما غاندي. فقد كان غاندي الذي عاش في ثلاث قارات (إفريقيا وأوروبا وآسيا) يعرف جيداً كيف مزج المستعمرون الغربيون بين الحرمان الاقتصادي والعنصرية. وكيف شكلوا ما أطلق عليه غاندي نفسه عبارة: «الاستعباد الصناعي» للعمال السود والملونين (السمر والصفر) في آسيا وإفريقيا.
كان غاندي حريصاً على ألا تقلد الهند المستقلة عن بريطانيا تلك الظلامات اللا إنسانية التي تطعن بكرامة الإنسان. وقد صاغ غاندي ذلك في عبارته الشهيرة: «لا نريد حكماً إنجليزياً من دون الإنجليز».
وعندما اتُهم غاندي زوراً بأنه يشنّ حملة ضد المسيحية من خلال حملته على بريطانيا، أطلق عبارته الشهيرة: «خذوا مسيحيتكم واعطوني المسيح». وكأنه كان يقول إن المسيح في رسالته ودعوته بريء من لا أخلاقيات السياسة الاستعمارية البريطانية بما اتسمت به من استغلال للإنسان وامتهان لكرامته.
ورغم أن نهرو– وهو ابن عائلة اقطاعية ومن أثرياء الهند ومن متخرجي الجامعات الانجليزية أيضاً- ورث القيادة عن غاندي، فقد حاول الالتزام بالمبادئ العامة التي أرساها أبو الهند الحديثة ليس في الداخل الهندي فقط، ولكن في علاقات الهند الخارجية أيضاً. وبهذه الخلفية صوتت الهند في الأمم المتحدة مؤيدة الدول العربية والإسلامية ضد مشروع تقسيم فلسطين في عام 1947. يومها اتصل العالم الفيزيائي الشهير اينشتاين (الذي رشحته الحركة الصهيونية ليكون أول رئيس لإسرائيل) بالرئيس نهرو مستغرباً موقف بلاده ضد التقسيم. فكان رد نهرو: «أن الحركة الصهيونية فشلت في كسب ودّ العرب والتفاهم معهم». وان «ذلك سيكون سبباً لصراع طويل لا نهاية له».
غير أن رؤية غاندي الإنسانية وترجمتها عملياً في سياسة نهرو عبر حزب المؤتمر تلاشت تماماً منذ وصول الحزب الوطني الهندوسي إلى الحكم في عام 2014. فالرئيس مودي– زعيم الحزب- تخلى عن سياسة الحياد وعدم الانحياز، وانخرط في الحلف السياسي– العسكري مع الولايات المتحدة. كذلك تخلى عن علاقات الهند التاريخية مع العالم العربي وعقد اتفاقات تعاون عسكري مع إسرائيل. وهو أمر يهز «رماد» غاندي ونهرو في قبريهما.
لقد أسقط الحزب شعار الوحدة في التنوع. أي الوحدة الهندية في التنوع الديني (الهندوسي– المسيحي– الإسلامي– البوذي..الخ) والتنوع العنصري، والتنوع اللغوي.
فالمسلمون والمسيحيون مثلاً يطاردون حتى «ثلاجات» بيوتهم للتأكد من أنها خالية من اللحم الذي يحرّم الهندوس تناوله. ويعاني الأفارقة، بمن فيهم أعضاء السلك الدبلوماسي، أشد أنواع التمييز العنصري بسبب لون بشرتهم. ولا شك في أن أكثر الفئات حرماناً ومعاناة هي فئة «المنبوذين» الذين لا يسمح لهم بالعمل في المدن إلا في تنظيف المراحيض.
كانت الهند في أيام حزب المؤتمر ( نهرو– غاندي) تفاخر بأنها أكبر دولة ديمقراطية في العالم، ليس بسبب عدد سكانها الذي وصل الآن إلى 1.3 مليار إنسان، ولكن بسبب غنى التعدد فيها. غير أن الهند اليوم، كما تقول مذكرة الدول الافريقية إلى الأمم المتحدة، أصبحت واحدة من أكثر الدول عنصرية بسبب سياسات الحزب الهندوسي الحاكم.
من هنا السؤال: هل فقدت الهند موعدها مع التاريخ؟
كان الكاتب الأميركي دي بوا يراهن كما قال في مقالته في عام 1947 على أن تقدم الهند نفسها للإنسانية نموذجاً باعتمادها نظاماً سياسياً– اجتماعياً جديداً– مناقضاً للنظام الاستعماري الاستغلالي للإنسان ولكرامته– ويقوم على احترام التعدد الديني والعنصري ويولي كرامة الإنسان المكانة الأولى. ولكن الشعبوية الهندوسية الطاغية بددت هذه الآمال التي كان يشاركه فيها مفكرون كبار في آسيا وافريقيا. ويبدو أن هؤلاء جميعاً اكتشفوا الآن بأسى وألم أن آمالهم ذهبت أدراج الرياح العنصرية التي تطلقها عاصفة الحزب الهندوسي.
بقلم : محمد السماك

محمد السماك