كتاب وأراء

الضرائب والديمقراطية والعدالة الاجتماعية

من المعروف أن الموارد الرئيسية التي تمول خزانات الحكومات المتقدمة تأتي من حصيلة الضرائب التي يدفعها مواطنو هذه الدول.. وتعتبر الضرائب المدفوعة هي أساس الحياة الديمقراطية في مثل هذه البلاد. فليس من المستغرب أن يقوم المواطن العادي بتذكير المسؤولين الحكوميين والسياسيين والقادة بأنهم يعملون لديهم (أي لدى الشعب) وأنهم (أي المواطنين) هم الذين يدفعون مرتبات هؤلاء المسؤولين والسياسيين من حصيلة الضرائب التي يدفعونها. ومن ثم يشعر المواطن دائما أنه صاحب المحل (الوطن) وأن هؤلاء السياسيين بالتبعية هم أجراء يعملون لديه وأنه يستطيع أن يحيلهم على المعاش أو يقوم بطردهم إذا لم يؤدوا عملهم على أحسن وجه (عن طريق الانتخابات في هذه الحالة).
وهكذا يكون العقد الاجتماعي بين المواطنين والحكام قائماً على أساس أن يمد هؤلاء الحكام المستأجرين (المنتخبين) من قبل صاحب المصلحة (الشعب دافع الضرائب) بكل ما يحتاجه هذا الشعب من خدمات عامة ومستحقة (من قوات أمن وقوات دفاع وأدوات تضمن العدالة والاستقرار الاقتصادي) مقابل دفع الضرائب التي تكون بذلك حجر الزاوية في هذه العلاقة بين الحاكم والمحكوم.
ولذا يتم التعامل مع عملية فرض الضرائب بحساسية بالغة في مثل هذه الدول. فهناك المبدأ المشهور:
NO TAXATION WITHOUT REPRESENTATION وهو يعنى أنه «لا يجوز فرض ضرائب دون موافقة ممثلين عن الشعب» ولقد كان التمسك بهذا المبدأ من الأسباب الرئيسية لقيام حرب الاستقلال الأميركية عن بريطانيا وإعلان الاستقلال في 1776.
العبرة هنا أن عملية فرض ضرائب جديدة أو زيادة الضرائب القائمة هي عملية توافق عام بين الحاكم والمحكوم. ولا يجب أن تؤخذ بالسهولة والبساطة التي نراها في بعض البلدان العربية. ولا يعني فرض ضرائب جديدة أو رفع معدلاتها أن الشعب سيرفض ذلك على طول الخط. ولنا في البلدان الإسكندنافية مثال حي. ذلك أن الدانمارك، والنرويج، والسويد، وايسلندا، تتمتع كلها بمعدلات عالية من التنمية الاقتصادية والرفاهية والرخاء حيث الرضا الشخصي والاستقرار. كما أنها أيضا تتمتع بمعدلات مرتفعة جدا بالإنتاجية والكفاءة الاقتصادية. وأحد الأمور المهمة المسببة لذلك هو قابلية الشعوب الإسكندنافية بل ورغبتها في فرض الضرائب على أنفسهم لدفع تكاليف التعليم والرعاية الصحية والتدريب على العمل وإعادة التدريب وتمويل شبكة أمان اجتماعي شاملة. المهم هنا أن يشعر هؤلاء المواطنون أنهم يتمتعون بنوع من العدالة الاجتماعية والمساواة في تحمل الأعباء والتكاليف.
وهنا لابد وأن نذكر أن ما يتم فرضه من ضرائب في عالمنا العربي هذه الأيام (من ضرائب مبيعات أو ضرائب قيمة مضافة وهي الأشهر) والتي غالبا ما ينادي بتطبيقها صندوق النقد لسهولة جبايتها ووفرة حصيلتها تتصف بافتقارها لأهم مبادئ العدالة الاجتماعية والمساواة والقدرة على الدفع.
طلاب الدراسات المالية غالبا ما يبدؤون دراساتهم بمعرفة أنواع الضرائب والمبادئ التي على أساسها يتم فرض الضرائب. وأنواع الضرائب ثلاثة:
1 - التصاعدية وهي التي تزيد نسبتها مع زيادة الدخل (مثال: 10 % ضريبة على الدخل أقل من 10000 ريال و20 % على الدخل بين 40000 -10001 ثم 30 % على أصحاب الدخول الأكبر من 40000).
2 - النسبية وهي الضرائب ذات النسبة الموحدة على كافة المداخيل (مثال: 15 % على أي وكل مستوى للدخل).
3 - التنازلية وهي التي تقل نسبتها مع زيادة الدخل (مثال:30 % ضريبة على الدخل القل من 10000 ريال و20 % على الدخل بين 40000 -10001 ثم 10 % على أصحاب الدخول الأكبر من 40000).
ولا شك أن الضرائب التصاعدية هي التي تتماشى مع معايير العدالة الاجتماعية والقدرة على الدفع.. أما الضريبة التنازلية فهي أكثرها إجحافا وأقلها إنصافا بالطبقات الفقيرة. وهكذا نجد أن ضرائب المبيعات أو القيمة المضافة المنتشرة الآن في معظم الدول العربية والتي تبدو في ظاهرها «نسبية» هي في حقيقة الأمر من الضرائب «التنازلية» المجحفة.. ولكم المثال التالي: لو أن عمر صاحب الدخل الشهري (ألف ريال) أشترى وجبة من مطعم ثمنها مائة ريال ودفع عليها ضريبة مبيعات عشرة في المائة أي دفع عشرة ريالات ضريبة فإن نسبة ضريبته لدخله تكون 10\1000 أي 1 % أما حسين صاحب الدخل الشهري الأقل (مائتا ريال) أشترى نفس الوجبة ودفع نفس قيمة الضريبة 10 ريالات فإن نسبة ضريبته لدخله تكون 10\200 أي 5 %. وهكذا تزيد الضريبة مع قلة أو انخفاض الدخل وهي مثال حي لعدم العدالة والإضرار بمستوى معيشة الفقراء وهذا الذي يحدث الآن وبصورة يومية في معظم دولنا العربية.

بقلم : أ. د. حسن يوسف علي

حسن يوسف علي