كتاب وأراء

الحرب على الفساد في الصين

الشفافية وانعدام الفساد هو عماد النهضة في أي أمة، وحينما يتفشى الفساد في الأمم، ينعدم العدل، وينتشر الظلم، وتتراجع الأمة إلى الوراء، وتأخذ طريقها نحو الانهيار والسقوط، لذلك حينما أعلن الرئيس الصيني شي جين بينغ، الذي تولى السلطة في البلاد في العام 2012، عن رؤيته الطموحة للنهوض بالصين، من خلال خطط كثيرة داخلية وخارجية، كان على رأسها خطة الحزام والطريق لاستعادة نفوذ الصين في التجارة الدولية، عبر ما كان يعرف قديما بطريق الحرير، وكذلك التقدم في الصناعات العسكرية، والارتقاء بالإدارات المدنية في البلاد، أعلن خطة كبيرة للحرب على الفساد المستشري في مؤسسات الدولة، وبين قادتها السياسيين، لكن الأمر لم يكن سهلا على الإطلاق في دولة مترامية الأطراف أصبح الفساد فيها مؤسسيا، والرشوة والمحسوبية متفشية في كل أركانها، فأطلق الرئيس جين بينغ يد «اللجنة المركزية للانضباط»، وهي أعلى هيئة في الدولة لمكافحة الفساد، فقامت خلال خمس سنوات بالتحقيق مع أكثر من مليون و340 ألف مسؤول صيني كان من بينهم 648 ألف مسؤول حزبي، بينهم رئيس الوزراء السابق وأعضاء في اللجان المركزية للحزب الشيوعي الصيني ورؤساء للحزب في كثير من البلديات وجنرالات ومسؤولون سياسيون، حكم على بعضهم بالإعدام، وعلى آخرين بالسجن المؤبد، علاوة على التجريد من كل الثروات والأملاك له ولكل أفراد عائلته، والغريب في أحكام الإعدام التي صدرت بحق المسؤولين الصينيين الفاسدين، أن أهل المدان الفاسد يدفعون ثمن الرصاصة التي أعدم بها، ومن أغرب ما تقوم به السلطات الصينية لكبح جماح الفساد في الدولة ما نشرته صحيفة «تشاينا ديلي»، في 25 مايو 2015، من أن الدولة في بعض القطاعات نظمت للمسؤولين الحاليين مع زوجاتهم زيارات للمسؤولين الفاسدين المحكوم عليهم بالسجن في سجونهم كنوع من الثقافة التحذيرية لهم، بأنهم إذا تورطوا في الفساد فإن مصيرهم سيكون مثل مصير هؤلاء الذين يقضي بعضهم أحكاما مشددة في السجون، تصل إلى السجن المؤبد، علاوة على خسارة كل شيء، ونقلت الصحيفة عن «اللجنة المركزية للتفتيش التأديبي» قولها «إن هذه الزيارات نظمت لتذكير المسؤولين بمصيرهم إذا قاموا بمخالفات تنطوي علي فساد».
ولأن الجشع والرغبة في الربح السريع وتوفر فرص الفساد أمور تتاح بشكل كبير في مراحل نمو الدول ونهضتها فإن عصابات الغش والفساد تنتشر في الصين علي نطاق واسع، وفي رحلتي الأخيرة للصين في العام الماضي 2016 سمعت قصصا لا حصر لها عن الغش والفساد لكن قسوة الأحكام التي تصدر أدت دون شك إلى تقلص الفساد بشكل كبير حتى أن أحد أصدقائي من رجال الأعمال ممن يتعاملون مع مسؤولين صينيين في بعض المشروعات قال لي: إن الموظفين الصينيين الذين أتعامل معهم أصبحوا يرفضون تلقي أي نوع من الهدايا مهما كان صغيرا خوفا من أن يتورطوا في قضايا فساد.
ما تقوم به الصين وما قامت وتقوم به دول كبرى في حربها على الفساد يؤكد على حقيقة واحدة هي أن الحرب على الفساد تكون بقرار سياسي من أعلى سلطة في الدولة يواكبه ردع قانوني، ويكون هذا طريقا لاستقرار المجتمع ونهضته.
بقلم : أحمد منصور

أحمد منصور