كتاب وأراء

آخر الحروب

عندما أعلن الرئيس السادات عام 1977 أن حرب أكتوبر 1973 ستكون آخر الحروب بين العرب وإسرائيل، لم يكن مفوضاً من الدول العربية الأخرى باتخاذ هذا القرار، وفي خطابه أمام الكنيست الإسرائيلي نفى أن يكون يسعى إلى سلام منفرد بين مصر وإسرائيل، لكن هذا ما حدث في اتفاقية «كامب ديفيد» التي وقعها مع مناحيم بيغين في 17-9-1978. وكذب السادات حين قال إنه لم يشاور أحداً من «إخوانه» قادة الدول العربية، فقد زار السعودية وسورية ولقي في الدولتين رفضاً حازماً للفكرة.
هل كان السادات يرجم بالغيب؟ لا نعتقد ذلك، ولكنه كان يقرأ توازن القوى بين العرب وإسرائيل، وأدرك أن خروج مصر من «الصراع» سيجعل من المستحيل أن يستطيع العرب الآخرون محاربة إسرائيل، وهذا ما تحقق، والمضحك المبكي في الأمر أن الذين رفضوه، عادوا يتفاوضون مع إسرائيل دون «شروط مسبقة»، وعندما أعلنوا «جبهة الصمود والتصدي» أخفقوا في تعويض غياب مصر، لأنهم لم يكونوا مهيئين لحمل هذه المسؤولية، ولم يعملوا بجد لتقوية تلك الجبهة.
كتبت آلاف المقالات عن حرب أكتوبر التي مرت ذكراها الرابعة والأربعون، ولكنها مقالات وليست بحوثاً جادة موثقة. ما زالت الأسرار مدفونة: هل صحيح أن مسؤولاً مصرياً كبيراً أبلغ إسرائيل بموعد الحرب وخطتها؟ من هذا الجاسوس الذي لم يكن أشرف مروان وكان هذا عميلاً مزدوجاً؟ هل صحيح أن إسرائيل تلقت تحذيراً من أعلى المستويات لكنها ظنت أن الأمر خدعة؟ لماذا أوقف السادات الهجوم مختلفاً مع رئيس الأركان سعد الدين الشاذلي؟ هل كان السادات يريدها حرب «تحريك» لا حرب «تحرير»؟ وما حكاية «ثغرة الدفرسوار» التي قال عنها السادات حينها إنها «شوية دبابات وحنطلع نصيدها»؟ لماذا تدفقت القوات الإسرائيلية إلى غرب القناة وإذ بنا نجد الجيش المصري الثالث محاصراً ومهدداً بالفناء جوعاً؟
ما زلنا حتى الآن لا نفهم ما حدث، ربما بعد ست سنوات حين تكمل عامها الخمسين يتم الإفراج عن الوثائق، ونقرأ دراسات جدية مفصلة عن أسرار هذه الحرب، وربما إذا توفر قدر من الحرية والديمقراطية يسمح للباحثين بالتخلي عن الخوف المزمن من السلطة وتأليف كتب تشرح ما حدث.
لكن هذا كله لا ينفي أن ما تحقق في أكتوبر كان شيئاً عظيماً، فهل بالإمكان استعادة تلك الروح.. روح أكتوبر؟ جاهد العرب حق الجهاد «بأموالهم وأنفسهم» فهل نتوقع مثل هذا يوماً؟ وصل العرب إلى ذروة من التضامن لم تتحقق من قبل ولا من بعد، فهل نجرؤ على أن نحلم بالوصول إليها؟ إن تضامننا الآن كله أننا قدمنا «مبادرة السلام العربية» ورفضتها إسرائيل.
بقلم : نزار عابدين

نزار عابدين