كتاب وأراء

إعادة التفكير في حق تقرير المصير

تحتاج أمور كثيرة في هذا العالم إلى إعادة تفكير من بينها موضوع حق تقرير المصير. فما كان يروج له كحل يعزز الأمن والسلم العالميين تحول إلى سبب للقلق والخوف. فالعالم لم يعد يحتمل مزيداً من التفتيت وكثيراً من الدول الفاشلة والحركات الانفصالية. فبعد أن انتهت الحرب العالمية الأولى في 1918، اتُفق على حسم كثير من الصراعات بين القوميات في أوروبا على خلفية النقاط الأربع عشرة التي طرحها آنذاك الرئيس الأميركي «وودرو ويلسون».
وكان من بينها إعطاء الأمم والشعوب حق تقرير مصيرها لتختار بنفسها الشكل السياسي الذي تريده. وبعد الحرب العالمية الثانية ثم مع موجة التحرر من الاستعمار اتسع تطبيق حق تقرير المصير فظهر العديد من الدول الجديدة. ولأهمية هذا الحق فقد جرى النص عليه في المادة الأولى من ميثاق الأمم المتحدة.
ورويداً رويداً تضمنت عشرات الوثائق الدولية نصوصاً تؤكد حق الشعوب في تقرير مصيرها ما حوله إلى مبداً راسخ في القانون الدولي.
ومع أن المبادئ ليست محلاً للطعن بشكل عام إلا أن تطبيقها في السياسة يتوقف دائماً على السياق فيختلف بين حالة وأخرى ويتباين من وقت لآخر ما يجعل نفس الفكرة التي تضمن الاستقرار في وقت ما أشبه بلغم مفجر في وقت آخر. وقد بات حق تقرير المصير اليوم هو ذلك اللغم المفجر ليس فقط في منطقتنا وإنما عبر العالم بأسره.
اليوم مثلاً لم تعد لدينا أمم متحدة واحدة بل اثنتان. فهناك منظمة الأمم المتحدة التي تكونت في 1945 وتضم الدول التي سبق أن قررت شعوبها مصيرها بنفسها. وهناك من جانب آخر منذ 1991 منظمة جديدة تضم حصراً الشعوب والأمم غير المعترف بها بعد كدول مستقلة وتسعى إلى نيل حقها في تقرير مصيرها. ففي تلك السنة، التي وافقت سقوط الاتحاد السوفياتي، اجتمع ممثلون عن خمسة عشر أمة وقومية وشعب مختلفاً في قصر السلام في لاهاي بهولندا وأعلنوا عن تأسيس «منظمة الأمم والشعوب غير الممثلة» UNREPRESENTED NATIONS AND PEOPLE ORGANIZATION. ويصل عدد أعضاء هذه المنظمة اليوم أربعون من بينهم، على سبيل المثال لا الحصر، ممثلين عن مناطق مثل كردستان إيران، وسولو بالفلبين، وخمير كروم بفيتنام، وجيلجيت بالتيستان في باكستان، وكاميريا بجنوب ألبانيا، وأبخازيا في جورجيا، وبلوشستان في باكستان، وتركمان العراق، وتركستان الشرقية في الصين، وآتشيه في أندونيسيا، وتايوان، ومنطقة القبائل في الجزائر. وعلى ضوء ما وقع مؤخراً من جدل بعد استفتاءين لتقرير المصير في كردستان العراق وكاتالونيا الإسبانية، فلن يكون غريباً تصور حجم المشكلات الدولية لو أن كافة أعضاء هذه المنظمة مضوا في تنظيم استفتاءات شبيهة.
ويحاول أكثر أعضاء هذه المنظمة كسب الرأي العام العالمي إلى جانبهم بالتفرقة بين حق تقرير المصير كعملية تنظيمية بحتة لا يجب أن يمنعها أحد، وحق تقرير المصير كنتيجة نهائية قد تقود إلى الاستقلال ويعتبرونه أمراً غير مقطوع به بعد. ولأن الأمر خطير، فإن الدول التي تحاول تلك المجموعات أن تنشق عنها لا تقبل بتلك التفرقة وتتعامل مع الموضوع من البداية بكل حزم. فإما أنها تحاول منع تلك الاستفتاءات كما فعلت الحكومة الإسبانية بعنف مؤخراً، أو تتركها تجري ولا تعترف بنتائجها على غرار استفتاء كردستان الشهر الماضي والذي لم يعترف أحد بنتائجه سوى إسرائيل.
ومن بين ما يؤخذ على استفتاءات تقرير المصير أنها وإن أنصفت جماعات قومية فسمحت لهم بتكوين دولاً مستقلة إلا أنها لم تنتج في النهاية غير دول فاشلة ربما كانت جمهورية جنوب السودان المثال الأخير المعبر عنها. ولهذا فقد يكون أفضل للسلم الدولي الحد من التشبث اللاعقلاني بفكرة تقرير المصير، والبحث عوضاً عن ذلك عن سبل متنوعة لتوحيد المصير. وهنا فإن الجماعات التي تصر على حقها في تنظيم استفتاءات لتقرير المصير والدول التي تعترض على تنظيم تلك الاستفتاءات كلاهما مطالب بإعادة النظر في مواقفه. والمطلوب خطوة أكبر إلى الأمام من حكومات تلك الدول نحو تلك الجماعات لاستيعابها بفعالية حتى لا يبقى أمامها بديل غير التفكير في الانفصال. مطلوب أن تدمجها وتمنحها حقوقاً إدارية وثقافية واقتصادية أوسع. وفي المقابل تحتاج تلك الجماعات إلى أخذ خطوة أو أكثر إلى الوراء فلا تضع الاستفتاء على تقرير المصير خياراً وحيداً أو تجعل أفكارها القومية الضيقة سبباً في نشر الفوضى الاقليمية والدولية. فإذا كان الحق صحيح كمسألة مبدأ إلا أنه بدون توازن بينه وبين الواجب فسيكون التشبث به سبباً لتوتر وفوضى وعنف أكثر حول العالم.
بقلم : د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات