كتاب وأراء

تهور في بيونغ يانغ ونضج في نيودلهي

أما التهور السياسي فيتجسد في المغامرات التي تمارسها بيونغ يانغ، وهذا لا حاجة لنا لتفصيله وإقامة الدليل عليه لأنه بات أوضح من الشمس في كبد السماء. وأما النضج السياسي فنجد تجلياته لدى القيادة الهندية خلال علاجها لأزمة «دوكلام» مع جارتها الصينية، علما بأن «دوكلام» هضبة تشرف على التيبت ومملكة بوتان وولاية سيكيم الهندية.
الأزمة، لمن لم يسمع بها، بدأت في يونيو الماضي حينما لاحظت السلطات البوتانية أن وحدات من الجيش الصيني تشق طريقا في الهضبة خلافا لبنود اتفاقية قديمة بشأن الحفاظ على الأمر الواقع في منطقة الهملايا. هنا سارعت بوتان إلى الاستنجاد بالهند على اعتبار أن التدخل الصيني يهددهما معا، خصوصا وأن بوتان تـعتبر من أخلص حلفاء الهند في جنوب آسيا. وبالفعل حركت نيودلهي قواتها إلى دوكلام لردع الصينيين، فيما لوّحت بكين بالرد العسكري إذا لم تنسحب القوات الهندية زاعمة أن دوكلام ليست بوتانية وإنما أرض صينية.
على أنه بعد مضي أقل من أسبوعين من المناوشات والمواجهات الاعلامية تراجعت بكين إلى ما وراء حدودها الدولية، فقررت نيودلهي في اللحظة نفسها سحب قواتها، لتنتهي بسلام أزمة كادت أن تشعل حربا ثانية بين الهند والصين النوويتين، لولا الحكمة والنضج السياسي في إدارة الأزمات.
إن ما يعنينا في هذه الأزمة، ليس فقط تغلب لغة العقل وإيثار مصلحة الأمة على لغة الطيش والحماقة المؤدية إلى دمار الاوطان وهلاك الشعوب، وإنما أيضا ما شاع على هامشها من احتمال وجود صراع متنام في بكين بين القيادة السياسية والحزبية ممثلة بالرئيس «شي جينبينغ» والقيادة العسكرية ممثلة بكبار ضباط جيش التحرير الشعبي.
وفي دولة تنقصها الشفافية كالصين، من الصعب اكتشاف الحقيقة بتفاصيلها الدقيقة. غير أن هناك من المؤشرات ما يمكن البناء عليه لتأكيد موضوع الصراع المزعوم.
المعروف أن جينبينغ سعى منذ وصوله إلى السلطة في 2013 إلى فرض هيمنته على الدولة والحزب والجيش، في محاولة طموحة للارتقاء إلى مصاف المعلم «ماو تسي تونغ». ومن ضمن ما فعله في هذا السياق إصلاح المؤسسة العسكرية من خلال ابتكار منصب «رئيس هيئة الأركان المشتركة لجيش التحرير الشعبي»، ومنحه للجنرال «فانغ فينغ هوي» في 2012
ما حدث بعد ذلك هو أن جينبيغ لاحظ أن جنراله يحاول المزايدة عليه في الحرص على سلامة الصين والدفاع عن أراضيها وحدودها، فيتخذ قرارات تسبب له الإحراج أمام الدول الأخرى. وفي هذا السياق كتب الخبير في الشؤون الاستراتيجية «براهما شيلاني» في صحيفة «يابان تايمز» أن الجنرال فانغ هو الذي أمر قواته بالتوغل في دوكلام، وأن فتيل الأزمة لم ينزع إلا بعدما أقاله الرئيس جينبينغ، وعين مكانه جنرالا آخر من أبطال الحرب الصينية ـ الفيتنامية هو «لي زيو شينغ».
والجدير بالذكر أن الجنرال المطرود فانغ له سوابق في إزعاج رئيسه وإحراج بلاده دبلوماسيا. ففي 2014 مثلا، وبينما كان جينبينغ يقوم بزيارة لنيودلهي، بل ويحضر حفلا بمناسبة عيد ميلاد نظيره الهندي «ناريندرا مودي»، توغلت القوات الصينية، بأمر من الجنرال فانغ، في منطقة لاداخ الشمالية الهندية. وفي 2013 حدث شيء مشابه وذلك حينما توغلت القوات الصينية مسافة 19 كلم داخل الأراضي الهندية في منطقة لاداخ أيضا، في الوقت الذي كان فيه رئيس الوزراء الصيني السابق «لي كيغيانغ» يقوم بزيارة رسمية لنيودلهي.
وهناك من حلل الحالات المذكورة من منظور تبادل الأدوار بين القيادتين السياسية والعسكرية في الصين، بمعنى ممارسة الرئيس لتكتيكات ناعمة مع الدول المنافسة والمجاورة، وممارسة قائد الجيش لتكتيكات صلبة معها.
بقلم : د. عبدالله المدني

د. عبدالله المدني