كتاب وأراء

الخرطوم وواشنطن .. صفحةٌ جديدة

- 1 -
السؤال الذي كان يبحث عن إجابة في دوائر السُّودان الدَّاخلية وفي مراكز الاهتمام والمراقبة الدَّولية، ماذا تريد واشنطن من الخرطوم، هل هي راغبةٌ وساعية لتغيير النظام، أم هادفةٌ لتعديل سلوكه فقط؟!! الشواهد والوقائع والأقوال كانت في فترة الرئيس الأميركي بيل كلينتون، تؤكد على رغبة واشنطن في تغيير نظام الرئيس عمر البشير ذي الصبغة الإسلامية.
في ذلك الوقت لم تخفْ واشنطن رغبتها تلك، فهي كانت رغبةٌ مصرَّحا بها بالأقوال والأعمال.
- 2 -
في أوخر التسعينيات عقدتْ وزيرة الخارجية الأميركية مادلين أولبرايت اجتماعاً حاشداً مع المعارضة السُّودانية في العاصمة اليوغندية كمبالا، وأعلنت في ذلك الاجتماع بداية تنفيذ خطة لإسقاط حكومة الرئيس عمر البشير المسنودة والمدعومة من الجبهة الإسلامية القومية.
لم يمضْ وقتٌ طويل على ذلك الاجتماع، إذ سرعان ما انطلقت العمليات العسكرية للمعارضة السُّودانية من دول الجوار تستهدف تنفيذ تعليمات أولبرايت، بسحب المقاعد من تحت البشير وأنصاره.
- 3 -
صحيح شكلت تلك الهجمات تحدياً عسكرياً وسياسياً على حكومة الخرطوم، لكنها لم تقترب من إلحاق هزيمة مزلزلة بالنظام يترتَّب عليها سقوط سُلطته ولو بعد حين.
لم تكتفْ واشنطن بذلك فقد أصدر الرئيس الأميركي بيل كلينتون عقوبات مالية وتجارية على السودان، تم بموجبها تجميد الأصول المالية السُّودانية، ومنع تصدير التكنولوجيا الأميركية له، وألزمت الشركات الأميركية، والمواطنين الأميركيين، بعدم الاستثمار والتعاون الاقتصادي مع هذا البلد.
وألحق كلينتون تلك العقوبات بخطوةٍ تصعيدية مفاجئة حين وجَّه سلاح الجو الأميركي بقصف مصنع الشفاء في العاصمة الخرطوم، بحجة تصنيعه أسلحةً كيميائية.
- 4 -
العقوبات الأميركية القاسية المفروضة على حكومة الرئيس عمر البشير، في حقبتَيْ الرئيسَيْن بيل كلينتون وجورج دبليو بوش، ظلَّت تُمثِّلُ العبء الأكبر على الاقتصاد السُّوداني، فقد أقعدته عن النُّمُوِّ والازدهار، وضاعفت معاناة المواطن السُّوداني في معاشه اليومي.
واشنطن كانت وقتذاك، تَعتبرُ حكومةَ الخرطوم تُمثِّلُ أكبرَ مُهدِّدٍ للأمن القومي الأميركي في دول جنوب الصحراء.
فقد ذكر الباحث في الكونغرس الأميركي، تيد داقني، القريب من الدوائر المعادية للسُّودان: (إن الدوافع الحقيقية للنُّخبة الأميركية التي تجعل من السُّودان شغلها الشاغل هو سعيها لتفكيك الدولة التاريخية المركزية التي تتحكم فيها الأقلية العربية المسلمة التي أفرزت حكومة الإنقاذ برئاسة عمر البشير، كأحد أبرز تمظهرات وتجليات المشروع العروبي الإسلامي في السُّودان).
- 5 -
العقوبات الاقتصادية المُحكَمة، أخرجت السُّودان من دوائر الاقتصاد العالمي، ليصبح اقتصاداً معزولاً ومحدود القدرات، رغم إمكاناته الوافرة.
في عالم اليوم، إذا غضبت عليك أميركا، غضب عليك العالم أجمع، أو تعاملَ معك بحذر. الولايات المتحدة الأميركية في عالم اليوم، في مقام بني تميم في عصرٍ مضى، ألمْ يقلْ شاعرهم جرير:
إذا غَضِـبَـتْ علـيـكَ بـنـو تـمـيـمٍ
حَسِبْـتَ الـنـاسَ كُلَّـهُـمُ غِضَـابـا
ربما كان التَّحول الأبرز لموقف الحكومات الأميركية المتعاقبة ما بعد بيل كلينتون من إسقاط حكومة الرئيس البشير والإسلاميين في السُّودان إلى تغيير السلوك، ومن ثَمَّ رفع العقوبات وخلق التعاون، وهو التعاون الكبير الذي قامت به المخابرات السُّودانية مع نظيرتها الأميركية عقب أحداث 11 سبتمبر.
منذ ذلك التعاون إلى اليوم، السَّودان أصبح بالنسبة لواشنطن من أهم مرتكزات الأمن الإقليمي في جنوب الصحراء، واستقرار دولته المركزية أصبح هدفاً وغايةً دولية.
- 6 -
واشنطن وصلت لقناعة بضرورة رفع العقوبات، وأن الأفضل التعامل مع السُّودان والتعاون معه لتحقيق الأهداف الأميركية في المنطقة، بدلاً عن العمل لإسقاط الحكومة وخلق فوضى في المنطقة كما هو حادثٌ في عدة دول مجاورة له.
وقبل فترة، تحدث دبلوماسي أميركي لصحفيين سودانيين قائلاً:»أميركا تتعامل مع المجموعة الأقوى على الأرض، قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان يجب أن تكون أولوية للسُّودانيين وليس للأميركيين، نحن أولويتنا في المنطقة الأمن ومكافحة الإرهاب».
وما شجع الإدارة الأميركية على ذلك، عدم وجود مجموعات ضغط في الكونغرس أو غيره على الإدارة الأميركية لها علاقة بالملف السُّوداني، كما كان في السابق.
-أخيراً-
التَّحدي الأكبر الذي يواجه حكومة الخرطوم بعد رفع العقوبات عنها، هل هي قادرة على الاستفادة من ذلك في تحسين أداء الاقتصاد بما ينعكس إيجاباً على حياة مواطنيها ومعاشهم، فالضائقة الاقتصادية أصبحت فوق طاقة السُّودانيين على الاحتمال.
بقلم : ضياء الدين بلال

ضياء الدين بلال