كتاب وأراء

ما بين كردستان وكتالونيا .. صراع الهويات

للأكراد في العراق ألف سبب وسبب ليفكروا بالانفصال والاستقلال؛عقود طويلة من العلاقات المضطربة مع المكونات الاجتماعية والطائفية للدولة العراقية، وإقصاء سياسي واقتصادي في ظل حكومات طائفية حكمت العراق في السابق،ونقص حاد في قيم المواطنة في عموم مجتمعاتنا،أحيت لدى الكثيرين النزعات الطائفية.
لكن في المقابل ماالذي يدفع بسكان إقليم كتالونيا في إسبانيا للتفكير بالإنفصال على الدولة وتأسيس كيان مستقل؟
إسبانيا دولة ديمقراطية يتمتع المواطنون فيها بحقوق متساوية،لا إقصاء ولاتهميش، القانون يطبق على الجميع، والمكتسبات توزع بعدالة. السكان جميعا يتمتعون مثل سائر دول أوروبا بحريات واسعة على كافة المستويات. وفوق ذلك الإقليم يتمتع بحكم ذاتي؛ حكومة لإدارته وبرلمان خاص منتخب بطريقة ديمقراطية وأحزاب سياسية تقود المشهد.
في أكثر من بلد أوروبي وديمقراطي هناك نزعات إنفصالية مشابهة لحالة كتالونيا. بريطانيا أم الديمقراطية الغربية تواجه منذ عقود تحديات استقلال عن المملكة المتحدة.
فمالذي يجمع إقليم كردستان بإقليم كتالونيا حتى يلتقيا على نفس الهدف، رغم الاختلاف الهائل في الظروف والمعطيات؟
واضح أن مسألة الهويات تشكل تحديا لكل أنظمة الحكم؛سلطوية أو ديمقراطية، ولم تستطع الوصفة الغربية لدولة المواطنة والحقوق المتساوية أن تتغلب عليها.
لقد نجحت أوروبا برغم المشاكل الكثيرة ببناء إطار وحدوي لجميع شعوبها،ضمنت من خلاله إلغاء الحدود بينهما والتعامل بعملة واحدة وسوق مشتركة، وبرلمان أوروبي واحد دون التنازل عن الحقوق المكتسبة للدول. لكنها بعض دولها لم تنجح في صهر مكوناتها الاجتماعية والإثنية في إطار الدولة الوطنية الواحدة.
مفارقة عجيبة دون شك، ومحيرة أيضا.والكتلان ليس وحدهم من ينزع للاستقلال عن إسبانيا فهناك إقليم الباسك الذي يتمتع بخصوصية أيضا وخاض متمردوه مواجهة مسلحة مع الحكومة الإسبانية لسنوات طويلة مضت، ومثله مناطق أخرى في أوروبا.
في أوروبا الشرقية شهدنا نزوعا للاستقلال عن شعوبها بالتزامن مع التحول إلى نظام الحكم الديمقراطي. تشيكوسلوفاكيا انقسمت لدولتين، والاتحاد اليوغسلافي إلى خمسة.
بمعنى آخر الديمقراطية لم تضمن الوحدة للدول منفردة ولا مجتمعة، بدليل تصويت البريطانيين على الخروج من الاتحاد الأوروبي.
للمسألة بالطبع جذور عمقية في البناء الاجتماعي للقوميات والإثنيات في العالم. أوروبا على وجه التحديد خاضت صراعات دموية كان جوهرها الهوية القومية والدينية، وحروب الطوائف التي سقط فيها ملايين القتلى.
جغرافيا القارة الممتدة تشكلت على وقع اتفاقيات تلت حروبا مدمرة وصراعات دينية ماتزال ماثلة في حياة مجتمعاتها.
تلتقي في ذلك مع الجغرافيا السياسية لمناطقنا التي عانت من ويلات التقسيم والحروب العالمية ولم تحظ هوياتها يوما بالاستقرار والرسوخ على المستويين الوطني والديني.
أوروبا في وضع متقدم مقارنة مع دول وقوميات عديدة في العالم،لكهنا على ما حققت من مكتسبات على صعيد الاندماج الوطني والقاري، إلا أنها ما تزال تعاني من أزمة هوية بين مكوناتها،ولم تنجح في صهرها بهوية واحدة؛أوروبية كما كان يأمل مفكروها وساستها.
وليس مستبعدا أن نشهد في المرحلة التاريخية القادمة تحولا على هذا الصعيد بحيث تصبح الهويات المتعددة هي طريق أوروبا لإعادة تعريف نفسها، مع احتفاظها بإطار فضفاض يعكس هوية القارة كمركز اقتصادي عالمي.
بقلم : فهد الخيطان

فهد الخيطان