كتاب وأراء

حرية مفقودة

أعربت الكاتبة الفريدا يلينك بعد فوزها بجائزة نوبل وهي المرأة العاشرة التي تحصل عليها منذ تأسيسها عام 1901 عن امتعاضها لفوزها بالجائزة، وصرحت قائلة: «انه عمل عدائي يرتكب ضدي رغم امتناني. فانا لم أسع إليها يوما. لا أنكر أنها شرف كبير لي. بل إنها شرف عظيم علي في الوقت الحاضر. اذ من غير المعقول أن أجد نفسي فجأة في محاذاة عظماء على غرار بيكيت وهمنجواي مثلا واتذمر، الا أنها من ناحية أخرى قد اخترقت بشكل مفاجئ عزلة حياتي. ولذلك هي تمثل لي شكلا من أشكال الاقتحام العدائي ونوعا من التدخل أو التطفل. يكفي أنها رمتني بين أذرع الجماهير رغما عني. وأنا لا أستطيع احتمال الاهتمام والانتباه والفضول الذي يرافقها لا محالة. أحيانا جل ما ارغب فيه كإنسان هو الاختفاء. ولذلك أخشى ان تحولني الجائزة إلى ما لا ارغب ان أكونه يوما. أي شخصية مشهورة. لست مؤهلة فكريا ومعنويا لاستيعاب أمر مماثل. فانا أعاني منذ أعوام وفي انتظام رهابا اجتماعيا يجعل من الصعب عليّ ان أطيق الجموع. طبعا أدرك في الوقت نفسه أني محظوظة جدا بنيلها. وخصوصا لأنها ستعطيني قدرا هائلا من الحرية رغم قيودها. حرية ان اكتب ما أشاء وأن لا اكتب شيئا على الإطلاق. وهذا الترف بمثابة نعيم حقيقي لكل كاتب. واتفق معظم من نالوا الجائزة مع ما صرحت به الكاتبة النمساوية من ان الشهرة تسلبهم حريتهم. ودأب أصدقاء اينشتاين بعد فوزه على حمايته من الصحفيين والفضوليين، وصرح هو قائلا: إنني سعيد لأنني لا أريد شيئا من أحد، ولا احتاج إلى أحد، ولا أريد المال ولا الألقاب ولا الثناء ولا الإطراء، وسعادتي تكمن في العمل والعزف على الكمان والتنزه في قاربي الصغير، أما الجائزة فقد تبرع بنصفها لزوجته الأولى وبالنصف الآخر لأعمال الخير في برلين.. وانشأ طاغور الذي فاز بالجائزة بعد ان أصدر كتابا واحدا فقط مدرسة مجانية لتعليم الفقراء، اما مدام كوري التي فازت بها مرتين فقد زودت منزلها المتواضع بحمام خاص، وأنفقت الباقي على الأبحاث، كما أنها لم تقبض دولارا واحدا عن اكتشافها الراديوم. وكانت تتجنب الصحفيين قدر استطاعتها. وتبرع رومان رولان بقيمة الجائزة للجمعيات التي تدعو للسلام. ولم يشغل نفسه بالشهرة. وكان جون شتاينبك الفائز بنوبل لعام 1962 يقول ان الشهرة تفسد الإنسان ولا يمكنني ان افلح في تأليف كتاب واحد اذا فرض علي ان اعتد بنفسي وأتحدث طوال الوقت عن نفسي.

بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري