كتاب وأراء

المصالحة الفلسطينية بين الآمال والمحاذير

كنت وما زلت على قناعة تامة بأن إسرائيل هي الطرف الوحيد المستفيد من حالة الانقسام الفلسطيني الذي تحول إلى شرخ عميق منذ عام 2007، وبأن استمرار وتفاقم هذه الحالة يصيب القضية الفلسطينية في مقتل ويهددها بالتصفية في الأمد المنظور. لذا لم أستطع أن أخفي شعورا حقيقيا ببعض الراحة فور الإعلان عن نجاح الوساطة المصرية في التوصل إلى اتفاق للمصالحة بين فتح وحماس.
رغم إدراكي العميق لحجم الصعوبات والعراقيل التي ما تزال تعترض طريق إزالة الآثار السلبية المتراكمة لحالة الانقسام هذه وتحول دون إعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية بما يسمح بوضعها من جديد على طريق يفضي إلى تمكين الشعب الفلسطيني من الحصول على حقوقه المشروعة.
شعوري بالراحة يعود إلى أسباب كثيرة أهمها:
1 - أن هذا الاتفاق هو الأكثر جدية، مقارنة بكل الاتفاقات المماثلة الكثيرة التي ابرمت من قبل، خصوصا وأن الإعلان عن إبرامه تزامن مع خطوات عملية وإجراءات محددة تم اتخاذها على الفور، فضلا عن أنه جاء مصحوبا بآليات للرقابة والمتابعة من جانب وسيط مقبول ومرحب به من الطرفين.
فقد قامت حماس بحل اللجنة الإدارية على الفور، ممهدة بذلك الطريق أمام دخول حكومة التوافق الوطني التي شكلت عام 2011 برئاسة رامي الحمد الله إلى مدينة غزة بالفعل، وبدأ تسلم مهامها كحكومة فلسطينية موحدة مسؤولة عن إدارة الضفة والقطاع معا.
2 - يمكن لكل الأطراف المعنية بالوضع في غزة، خاصة السلطة الفلسطينية وحركة حماس والوسيط المصري، أن يعثر في هذا الاتفاق على بعض ما كان يبحث عنه. فبوسع السلطة الفلسطينية أن تدعي أنها لم تكن المسؤولة منذ البداية عن هذه الأزمة وأن الإجراءات التي اتخذتها خلال الأشهر الأخيرة، كوقف التحويلات المالية إلى القطاع وخفض رواتب موظفيها هناك والتوقف عن دفع فاتورة الكهرباء لإسرائيل وتحديد عدد التصاريح الطبية التي تسمح لسكان غزة بتلقي العلاج خارج القطاع المحاصر، شكلت عامل ضغط أجبر حماس في النهاية على العودة إلى جادة الصواب. أما حماس فبوسعها أن تدعي أن التنازلات التي قدمتها تثبت أنها تضع دائما مصالح الشعب الفلسطيني فوق أي مصالح فصائلية وأن حرصها على الاحتفاظ للشعب الفلسطيني بحقه في مقاومة الاحتلال يفوق حرصها على الاحتفاظ لنفسها بالسلطة، ومن ثم فلن تقبل بأن تستخدم مواقفها كذريعة للحيلولة دون إعادة إعمار القطاع ورفع المعاناة عن الشعب الفلسطيني.
3 - ما كان لهذا الاتفاق أن يبرم اصلا لولا وجود ضوء أخضر إسرائيلي أميركي للمضي قدما في إتمام المصالحة، وهو ما يرى فيه البعض عاملا إضافيا يزيد من فرص نجاحه.
فبوسع إسرائيل استخدام هذا الاتفاق كذريعة للضغط من أجل الإسراع بوتيرة التطبيع المأمول مع دول عربية عديدة والحصول على فترة هدنة تضمن الهدوء على حدودها مع قطاع غزة لمواجهة توتر محتمل على حدودها مع لبنان، خصوصا إذا ما أقدم ترامب على إلغاء الاتفاق الخاص ببرنامج إيران النووي، وتهيئة أجواء تساعد على إضعاف حماس جماهيريا، خصوصا إذا ما تسارعت وتيرة تنشيط الإعمار في قطاع غزة
غير أن الشعور بالراحة، عقب التوصل إلى اتفاق نأمل أن يضع حدا للانقسام الفلسطيني، لم يستطع أن يخفي شعورا دفينا بالقلق العميق، خصوصا إذا ما ربطنا المباركة الإسرائيلية الأميركية الضمنية لهذا الاتفاق بتحركات تجري في المنطقة يقال أنها تمهد لإبرام ما يطلق عليه «صفقة القرن» الغامضة المعالم حتى الآن، خصوصا وأن هذه التحركات تجري في ظل أوضاع عربية متدهورة توحي بأن المشروع الإسرائيلي لتفتيت المنطقة وتحويلها إلى كيانات طائفية وعرقية صغيرة يتقدم إلى الأمام ويكسب أرضية كل يوم، بدليل إصرار مسعود برزاني ونجاحه في إجراء استفتاء يمهد لإقامة دولة كردية مستقلة في شمال العراق وبدعم كامل من حكومة نتانياهو!!.
بقلم:د. حسن نافعة

د. حسن نافعة