كتاب وأراء

كتالونيا .. وجموح شعوب أوروبا نحو الانفصال

لم يكن قيام الداعين للانفصال في إقليم كتالونيا الإسباني بالدعوة لاستفتاء يوم الأحد الماضي حول انفصال الإقليم عن إسبانيا الذي رفضته بقوة ورفضت الاعتراف به إسبانيا إلا تتويجا لمطالب قديمة لدعاة الانفصال في الإقليم، ورغم قيام الشرطة الإسبانية بمصادرة صناديق الاقتراع والبطاقات الانتخابية وإغلاق كل المراكز التي خصصت للتصويت في العاصمة مدريد، إلا أن دعاة الانفصال واصلوا طريقهم واحتفلوا بالنتيجة التي جاءت لصالحهم.. وتتخوف إسبانيا من أن هذه الخطوة التي قام بها سكان كتالونيا يمكن أن تشجع باقي دعاة الانفصال في الأقاليم الأخرى البالغة سبعة عشر إقليماً من دعوات مشابهة تؤدي إلى تقسيم البلاد، ورغم أن إقليم كتالونيا يتمتع بأوسع تدابير للحكم الذاتي بين الأقاليم الأخرى إلا أن انفصاله سيؤدي إلى تمزيق حقيقي لإسبانيا حيث يبلغ سكان الإقليم 7.5 مليون نسمة علاوة على أنه يضم أكثر من 970 بلدية موزعة على أربع مقاطعات بينها مقاطعة برشلونة التي ينتمي لها نادي الكرة الإسباني العريق.. المخاوف من انفصال كتالونيا ليست إسبانية فقط ولكنها مخاوف أوروبية حيث يطالب سكان كل من إقليم الباسك في شمال إسبانيا وجزيرة كورسيكا التابعة لفرنسا والتي تقع في البحر المتوسط وتعتبر أحد المنتجعات التي يقصدها الأغنياء، وكذلك استكلندا التي إن انفصلت ستحرم المملكة المتحدة من أهم أجزائها الغنية بالموارد والمساحة، وكذلك الإقليم الفلامندي في بلجيكا الذي يعتبر أحد ثلاثة أقاليم رئيسية تتكون منها البلاد، ولم تنج حتى الدانمارك من المحاولات الانفصالية حيث يطالب سكان جزر الفارو التي تقع في أقصى الشمال الأوروبي وتتبع الدانمارك بالانفصال، وفي نفس الوقت تشهد مناطق متعددة في شرق أوروبا قلاقل وعدم استقرار، وهذا الأمر يهدد الاتحاد الأوروبي كذلك لأن انفصال أي من الأقاليم عن الاتحاد الأوروبي سيؤدي إلى ورطة إذا اعترف به الاتحاد الأوروبي وورطة إذا لم يعترف به إذ كيف يتعامل معه ومع سكانه وقوانينه.
لقد استخدم الغرب في تعامله مع شعوب العالم الثالث التي احتلها أو نهب ومازال ينهب ثرواتها من خلال سياسة فرق تسد، وما جرى في كردستان في الأسبوع الماضي أو السودان قبل سنوات أو يجري في كل من العراق وسوريا واليمن وليبيا إلا نتاج تلك السياسة الفاسدة التي وضعتها الدول الأوروبية لاسيما بريطانيا، لكن ها هي أوروبا كلها تكتوي بنار الانفصال ودعاة الاستقلال بدءا من اسكتلندا في بريطانيا وحتى جزر فارو في الدانمارك مرورا بالباسك والكتالونيين في إسبانيا ودول أوروبية أخرى.
ورغم تأييد نسبة عالية من سكان كتالونيا الذين صوتوا في الاستفتاء للانفصال مع أغلبية وصفت بأنها صامتة وعدم اعتراف الحكومة الإسبانية بذلك إلا أن هذه الخطوة ربما تكون الأولى في خطوات مشابهة سيقوم بها دعاة الاستقلال في مناطق أوروبية مختلفة خلال الفترة القادمة، ولعل اسكتلندا هي التي تملك المقومات والشجاعة الأكبر وهذا ما تتخوف منه بريطانيا، لكن الذين يزرعون شوك التفتيت والفتن بين الشعوب منذ قرون يبدو أن دورهم جاء ليحصدوا شيئا من الشوك الذي زرعوه.
بقلم : أحمد منصور

أحمد منصور