كتاب وأراء

استفتاء كاتالونيا كمرآة لـ«هشاشة» الاتحاد الأوروبي

من كردستان إلى كاتالونيا وليس بالعكس... التشابه هو في حق تقرير المصير. غير ان حال الاقليمين مختلف، والمعطيات والظروف بعضها جذري. الاقليم الكاتالوني يريد ان ينفصل عن دولة ديمقراطية يحكمها القانون والمؤسسات وتقوم على احترام حرية الرأي والمساواة وتوزيع الثروات، واحترام الفرد بما هو مواطن له شخصيته، وليس بما هو واحد من مجموعة طائفية أو مذهبية أو تابع لزعيم أو لقائد. والدليل الواضح هو اختلاف الموقف داخل الحزب نفسه من الاستفتاء بين مدريد وبرشلونة.
«الحزب الشعبي» اليميني الذي يرأس زعيمه ماريانو راخوي الحكومة الاسبانية هو طبعا ضد الاستفتاء والانفصال فيما ذراعه أو رديفه في كاتالونيا يقود الحكومة المحلية وينظم عملية الانفصال. وكذلك اليسار، اذ ان «الحزب الاشتراكي العمالي الاسباني» يقف ضد الاستفتاء فيما «الحزب اليساري الجمهوري الكاتالوني» المشارك في حكومة برشلونة هو مع اجراء الاستفتاء ولكنه ليس مع الانفصال. وهذا يدلل على ان عامل تحقيق الذات الجغرافي-الكياني-السلطوي يتقدم على العوامل الأخرى.
الكتابة عن استفتاء كاتالونيا فيها اذا شيء من المغامرة. ولكن مجرد اجرائه يؤشر بحد ذاته إلى مجموعة اعتبارات ومضاعفات حاولت الحكومة الاسبانية المركزية التعتيم عليها عبر منع تنظيم الاستفتاء. وقد اعتبر بعض المتابعين ان هذا الشرخ الذي احدثه الاستفتاء يشكل أخطر أزمة تواجه اسبانيا منذ وفاة الديكتاتور فرانكو وعودة الديمقراطية، فيما يذهب الوزير الاشتراكي السابق جوزف بوريل إلى حد اعتبارها «أكبر أزمة دستورية تواجه اوروبا بعد سقوط جدار برلين منذ 28 سنة».
لماذا؟ تقع كاتالونيا شمال شرق اسبانيا وتبلغ مساحتها 32 ألف كلم مربع، أي السادسة في الحجم بين المقاطعات السبعة عشرة. وهي مؤلفة من أربع مناطق هي برشلونه وجرنده ولارده وطراغونه. ويبلغ عدد سكانها نحو 7.5 ملايين. أي 16 في المائة من عدد سكان اسبانيا. وكان البرلمان الكاتالوني قد أقر وثيقة الاستقلال في بداية 2013 بأكثرية 85 صوتا من اصل 135 ومعارضة 41، وتم تحيد موعد الاستفتاء ثم أُجل إلى أول اوكتوبر 2017. وقد طرح على الكاتالونيين سؤال واحد مقتضب وجذاب: «هل تريد كاتالونيا دولة مستقلة في ظل نظام جمهوري؟». وهذا اول اسفين يوجه إلى ملكية آل بوربون الذي يجلسون على عرش اسبانيا منذ أكثر من خمسماية سنة. لكن بعض المنتقدين يأخذون على المنظمين عدم تحديدهم عتبة للاصوات المطلوبة لنجاح الاستفتاء رغم انهم اعتبروا ان النتيجة ستكون ملزمة.
اما في المضاعفات الاقتصادية الأشد ضررا فان الانفصال يحرم اسبانيا من مصدر حيوي للضرائب يبلغ 20 في المائة، اذ ان كاتالونيا هي المقر الرئيسي للعديد من المجموعات التجارية والشركات العملاقة. وهذا بالمقابل ما يحتج عليه الكاتالونيون، اذ يبلغ الإنتاج المحلي 210 مليون يورو سنويا، و26% من الصادرات هي من صناعة الأقليم بالاضافة إلى تحكمها بـ 70% من حركة النقل والمواصلات الخاصة بالتجارة الخارجية، كما انها تنتج 45% من اجمالي المواد التكنولوجية المصدرة مثل السيارات والاجهزة الالكترونية. وأخيرا وليس آخرا 26% من لاعبي منتخب كرة القدم.
بخروجها تخسر اسبانيا المقاطعة الأغنى! ناهيك عن مفعول حجر الدومينو الذي سيتدحرج اوروبيا بعد خروج بريطانيا وزحف التيارات الشعوبية، ليطال في اسبانيا بلاد الباسك وغاليسيا. ثم تليها مقاطعات طامحة في ايطاليا وبلجيكا وهولندا وحتى سويسرا...
هل كان بالامكان تحاشي هذه المواجهة؟ الزعيم الاشتراكي خوسيه لويس زاباتيرو عندما كان رئيسا للحكومة في 2006 طرح صيغة نظام جديد يعتبر كاتالونيا بمثابة «كيان» بصلاحيات استقلالية واسعة، ضريبية وقضائية. ووافق عليها البرلمانين في مدريد وبرشلونة. الا ان راخوي طعن أمام المحكمة الدستورية التي عطلت عام 2010 جزءا كبيرا من بنوده.
وتكمن المفارقة في ان يضطر راخوي وريث فرانكو إلى المصادقة شخصيا على شرعية الاستفتاء، أو استمرار المواجهة التي لا عودة معها إلى الوراء بغض النظر عن النتيجة، اذ ان الكاتب الاسباني كزافيه شيركاس يرى ان ما جرى ويجري «يظهر مدى هشاشة الوحدة الاوروبية»! .
بقلم:سعد كيوان

سعد كيوان