كتاب وأراء

مشي وألوان وموسيقى

الجوع للحياة يجعلنا نتعقب كل ما يهزم الشيخوخة، وكل ما يخفف عنا وطأة الوهن والشعور بالعزلة، وكل ما يفتح كوة، ولو صغيرة، في جدر نحيط بها أنفسنا نحن الذين نطعن تدريجياً في العمر.
نصحت بأن أمارس رياضة المشي لمدة نصف ساعة يومياً، فقررت أن أمشي هذه الدقائق في الصباح الباكر بمنطقة تغرق في الحدائق الغناء وزهور الياسمين والفل والورد البلدي، فأستيقظ قبل الخامسة فجرا لأمشي، رغم تحذيرات زوجتي: لماذا تختار هذا التوقيت الذي تخلو فيه الشوارع من المارة، وهو ما يسهل الأمر على اللصوص وقطاع الطرق؟
فأرد عليها مستأسدا ومتنمرا: سيرتكب أي من هؤلاء اللصوص غلطة عمره أن صادفني في طريق!
في واقع الأمر تبينت أن خلو الشوارع من المارة في هذا التوقيت الباكر غير صحيح، وإن هناك كثيرين وكثيرات من الأجانب، يشاركونني هذه الرياضة، مع وجود ثلاثة فروقات، أولها: أنني ارتدي ملابس رياضية محتشمة، بينما ترى الآخرين بشورتات ملونة، دون أن يفت في أقدامهم، ولا في أبدانهم تيار من الهواء البارد يسري في الأمكنة، وثانيها: أنني أمشي وحيدا، بينما معظم الآخرين يصطحبون معهم كلابا، تتفاوت أحجامها من جرو صغير، إلى كلب بحجم حمار كبير، وربما لذلك يتوفر أمان في الشوارع، تلعب فيه هذه الكلاب دور البطولة وبامتياز، وثالثها: أحجام وأطوال الذي يشاركونني هذه الهواية، فمعظمهم بأطوال فارعة وكلهم بأحجام ضخمة وبأوزان ثقيلة جدا، وكل ذلك دحض مخاوف زوجتي التي لم يعد يقلقها شبح اللصوص، بل الأوروبيات المتبخترات، رغم تأكيداتي لها أنني أتحاشهن كما أتحاشى «الترلات» في الطرق السريعة.
ولفتني صديق أيضا مغرم بالفن التشكيلي إلى ما قاله مؤخرا مصمم الأزياء الإيطالي جورجو أرماني، ومفاد ما قاله لي إن الألوان يمكن أن تقهر الأحزان وتذكرنا بحيوية الشباب، فقررت أن أشبع النظر من منظر الحقول الممتدة، فحجزت مقعدا في قطار بثمن زهيد، تستــغرق رحلته نحو ست ساعات، ويتخلل طريقه مساحات شاسعة من الحقول، وترى فيـضا من مناظر الطبيعة والطيور والحيوانات التي يمكن أن تخطف أبصار فإن جوخ لو كان لايزال على قيد الحياة.
ولكني قرأت أيضا في سياق الجوع للحياة وتجميلها ملخص لدراسة حديثة في هولندا وتفيد بأن الاستماع إلى موسيقى مبهجة قد يحفز طريقة مغايرة من التفكير متصلة بالابتكار وحل المشكلات، وأن الموسيقى الكلاسيكية التي تتسم بالإيجابية والحيوية مثل مقطوعات ألفها الملحن الإيطالي الشهير أنطونيو فيفالدي يمكنها على الأرجح تحفيز التفكير الإبداعي، ولكني لا أسمع إلا موسيقى أغاني فيروز ومحمد عبدالوهاب وعبدالحليم حافظ وشادية وفريد الأطرش، ولهذا لفتني صديق إلى ما أوردته هذه الدراسة التي تقصد «الموسيقى المبهجة» وليست «الموسيقى التي تقصف العمر» على حد وصف هذا الصديق، من فرط الحزن في أغلبها، ولهذا تجدني حاليا أبحث عن موسيقى فيفالدي، لعلها تصلح ما أفسدته موسيقى الأغاني التي تقطر غماً وهماً!
بقلم : حبشي رشدي

حبشي رشدي