كتاب وأراء

الانفصال والرحيل

مرت قبل أيام وفي يوم واحد 28 سبتمبر ذكرى حدثين مهمين في تاريخ العرب الحديث، انفصال «الإقليم الشمالي» عن الجمهورية العربية المتحدة عام 1961، ورحيل جمال عبدالناصر للقاء ربه عام 1970، وكأن القدر اختار اليوم الذي انتهت فيه الوحدة بالانفصال، لتنفصل روح قائدها عن جسده.
لم تعمر «الوحدة» طويلاً، ثلاث سنوات وسبعة أشهر وستة أيام، ولكن كثيرين يرون أنها عـمرت أكثـر مما يجب، لأنها كانت تحمـل في داخلهـا بذور انتهائهـا، نظـراً للاختلافات الكبيرة بين الشعبين المصري والسوري، وبين نظامي الحكم في البلدين، حتى في المناهج التعليمية. وإذا كانت أي وحدة عربية لم تقم في التاريخ إلا بقوة السلاح، فإن هذه لم تشذ عن القاعدة، فقد فرضها ضباط الجيش السوري (وأغلبيتهم بعثيون) على السياسيين في سورية، وأولهـم الرئيس شـكري القوتـلي. وأخطأ عبد الناصر عـندما فرض الحكم الفردي الأمني، وألغى الأحزاب، وأمم الصحافـة، وقـضى على كل حراك مجتمعي، ولذلك لم يكن غـريباً للمراقب الذكي أن يرى الجماهير التي «بايعت» عبدالناصر دون أن تراه، وحملت سيارته بمن فيها على الأكتاف، تخرج هي نفسها لترقص في الشوارع فرحاً بالانفصال.
مات ناصر عام 1970 بعد أن حكم مصر حاكماً فرداً ثمانية عشر عاماً، وكرسته شخصيته القيادية والظروف التي كانت تمر بها المنطقة زعيماً وقائداً للأمة العربية. وإذا كانت الجماهير قد خرجت عام 1967 بمئات الآلاف تطالبه بعدم الرحيل، فإن هذه الجماهير كان يجب أن تصير ملايين وعشرات الملايين بعد رحيله، فلماذا لم يستطع «الناصريون» أن يحافظوا على هذا الزخم؟ لماذا لم يستطيعوا أن يكونوا حزباً قوياً يفرض رأيه في الشارع ووعي الناس؟ لماذا لم يستطيعوا أن ينجحوا في أي انتخابات جرت في مصر؟
لقد مات ناصر عام 1967 حين انكسر وانهزم الجيشان المصري والسوري خلال ست ساعات. انكسر الصنم، وتبين للناس أن هذا القائد «الفذ الملهم الخالد» لم يقدهم إلا إلى الدمار والهزيمة، وأن الآمال التي علقوها عليه وعلى من معه سقطت خلال الحرب، وأنهم خدعوا طويلاً، وأن الشعارات البراقة لم تكن أكثر من كلمات ووعود خدروهم بها طويلاً، وزال أثر المخدر بصدمة الهزيمة. عاشوا سنوات طويلة في انتظار المعركة و«النصر القادم» وفوجئوا بالهزيمة البشعة، ولا تشفع له الإصلاحات التي أجراها في مصر، ولا الإنجازات التي حققها.
سئل الروس مرة بعد 1990 عن أفضل فترات دولتهم، فأجابت الأغلبية «فترة بريجينيف» (1977-1982) ولكنهم عندما سئلوا عن استعدادهم للعودة إلى تلك الفترة أجابوا جميعاً بالنفي «لا يمكن أن نتخلى عن الحرية».
بقلم : نزار عابدين

نزار عابدين