كتاب وأراء

عن عذابات عصر ما بعد الحقيقة

اعتاد الإنسان على مر العصور أن يقسم التاريخ إلى مراحل وأزمنة ليسمي كل عصر بالصفة المركزية فيه وبالطابع الغالب عليه. سمعنا من قبل، على سبيل المثال، عن العصر الجليدي، والعصر الحجري، وعصر النهضة، وعصر التنوير، وعصر الفضاء، وعصر الصناعة، وعن العصور القديمة، والعصور الوسطى، والعصور الحديثة، وعن عصر السرعة، وعصر المعلومات. وفي العام الماضي بدأ النقاش يتسع حول تسمية دقيقة لما وصلت إليه الحالة الإنسانية حالياً من تغيير.
فأكثر الناس في ظل وسائل الاتصال العديدة وما تقدمه لهم من فيض من المعلومات لم يعد يهمهم التدقيق في الحقيقة بل وبات تنطلي عليهم قصص تخاطب وجدانهم وعاطفتهم فيصدقون أنها الحقيقة بينما هي لا تحمل من الحقيقة شيئاً.
وفي 2015 سجل علماء اللغة حضوراً ملحوظاً لمصطلح «ما بعد الحقيقة» الذي زاد استعماله بنسبة 2000 بالمائة في 2016 ما شجع محرري معجم أكسفورد البريطاني الشهير على اعتماد المصطلح وتسمية العصر الحالي الذي نعيش فيه بعصر «ما بعد الحقيقة». وهو عصر مليء بالعذابات.
والحقيقة، أن البحث عن الحقيقة لم يكن محل اهتمام العصور التي سبقت عصر ما بعد الحقيقة. فلم يكن الناس قبل هذا العصر الجديد صادقين دائماً أو يبحثون عن الحقيقة باستمرار. الناس هم الناس عبر كل العصور. عرفوا الكذب والتلفيق والتدليس والمبالغة والتشويه في كل العصور. قدموا الظن على أنه الحقيقة وفبركوا روايات لا وجود لها. ومع هذا ظل للحقيقة أو بالأحرى للبحث عنها مكان كبير. كانت الحقيقة تقنع متى قدمت معها معلومات قاطعة لا يمكن الشك في صحتها. لم تكن الحقيقة رأياً وإنما معلومة. وكانت المعلومات نقيض الرأي. فالرأي وجهة نظر شخصية أو تصور خاص. أما المعلومة فبرهان لا لبس فيه. أما اليوم فقد باتت المعلومات وجهة نظر وموضعاً للبس ولم تعد بالضرورة مؤشراً على الحقيقة. باتت الشركات والحكومات بل وحتى الأفراد ينتجون معلومات ويعرضون أرقاماً وينشرون جداول وينقلون قصصاً ويضعون أشكالا توضيحية ليس فيها من الصدق شيء ومع هذا تُقنع الناس وتحشدهم خلف دلالاتها.
وليس من عذاب أكبر من أن تحاول شخصيات عامة وأحزاب وقوى سياسية بل وحتى دول أن توضح الحقيقة عن نفسها فتخرج ضدهم أصوات تنشر قصصاً ملفقة سرعان ما تنتشر على أنها الحقيقة. وما حدث مع قطر عندما جرى فبركة معلومات عنها جرى دسها على موقع وكالة الأنباء القطرية إلا مثالاً يضاف إلى قائمة طويلة من أحداث وأزمات كبرى تعتبر من نتاج عصر ما بعد الحقيقة. عصر لم تعد الحقائق الموضوعية الدامغة تردع فيه الإنسان حتى لو كانت واضحة وإنما بات شائعاً أن يتجاهلها بل ويصفها أحياناً بالكذب طالما أنه يستطيع أن يتلاعب بمشاعر الناس ويحملهم على تصديق القصص الملفقة والروايات المفبركة.
تلك مثلاً هي طريقة الرئيس الأميركي «دونالد ترامب» وقوى اليمين الشعبوي الأوروبية في الصعود والانتشار. فتقديم الحقيقة عندهم ليس مهماً وإنما الأهم التلاعب بعواطف الجماهير القابلة للتصديق بالقصص المثيرة التي يسمعونها مثل خرافة أسلمة ألمانيا التي روجها مؤخراً حزب «البديل» وتعامل معها الناخبون الألمان باعتبارها الحقيقة فمنحوه نسبة 12 % من إجمالي الأصوات. وتلك صورة أخرى لعذابات عصر ما بعد الحقيقة. أن يوجد من بين المتعلمين وكل من لديه عشرات الوسائل للبحث والتدقيق تلك القابلية وذلك الميل للسير وراء العواطف وإلغاء العقل. وبسبب هذا الميل لم تعد الحقيقة في عصر ما بعد الحقيقة هي ما وقع أو أُنجز أو قيل بالفعل وإنما ما يمكن للبعض أن يوهم الآخرين بأنه وقع أو أُنجز أو قيل. وتلك بلا شك حالة تعذب أصحاب الضمائر عندما يرون الغش ينتشر على أنه الحقيقة. لقد باتت الحقيقة في عصر ما بعد الحقيقة هي ما نتصور أنها كذلك. لم تعد الحقيقة مسألة مبدأ وقناعة قائمة على الأدلة وإنما رأي يمكن ببعض الوسائل التقنية نشره وترويجه. فبقليل من المجهود ووسائل الاتصال المتنوعة يتم نقل الكثير من الأخبار المغلوطة والمعلومات الزائفة والقصص المشوهة التي تمتزج بالعواطف والانفعالات التي يجرى ترديدها وتكرارها إلى أن تستقر في مخيلة الناس على أنها الحقيقة.
إنه عصر خطير تسوده الجرأة على ذبح المعلومات والاستعداد للقفز إلى نتائج لا يقوم عليها دليل. عصر ينتشر فيه الوعي المزور على نطاق واسع وفي مدى زمني قصير. ولن يفيد العصر الجديد سوى المتطرفين المغالين. إنه للأسف عصر يموت فيه العقل ويهزم فيه العقلاء.
بقلم : د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات