كتاب وأراء

عصر الدويلات الطائفية والعرقية

حينما التقى كل من مارك سايكس البريطاني وفرانسوا جورج بيكو الفرنسي ووقعا في شهر مايو من العام 2016 على الاتفاقية التي عرفت بعد ذلك باتفاقية سايكس بيكو لتقاسم النفوذ والسيطرة في الشرق الأوسط وتقسيم إرث الدولة العثمانية كان التقسيم يقوم على ما عرف بعد ذلك باسم الدولة القطرية، لكن البريطانيين كعادتهم في كل الدول التي قاموا باحتلالها عمدوا إلى تقسيمات تبقي الخلافات الحدودية قائمة بين الدول، ومن يعد إلى تلك التقسيمات التي لازالت قائمة يكتشف حجم الخبث البريطاني في التقسيم والتفتيت وهو نفس ما قاموا به في شبه القارة الهندية وجنوب شرق آسيا.
وقد قامت الدولة القطرية حينما اعتمدوها على ممالك وإمارات تغير وضع كثير منها بعد الحرب العالمية الثانية لاسيما حينما بدأ مسلسل الانقلابات العسكرية يحول كثيرا من الممالك إلى جهموريات عسكرية قمعية كما حدث في العراق وليبيا ومصر والسودان وتونس وقد ضمنت الأنظمة التي أقاموها ولاء لهم في الأغلب سواء كانت أنظمة حكم وراثية أو أنظمة عسكرية قمعية، وقد نجحوا في التغلغل والاختراق لهذه الأنظمة حتى أنهم كانوا يقومون بتغيير أي نظام لا يدين بالولاء لهم.
هذه المرحلة التي استمرت ما يقرب من مائة عام والتي أجريت عليها بعض التعديلات يبدو أنها انتهت مع رغبة الشعوب العربية بانعتاقها من تلك الأنظمة العربية فيما عرف بثورات الربيع العربي التي اندلعت مع نهاية العام 2010 في تونس ثم مصر وسوريا وليبيا واليمن ولولا الثورات المضادة وانتفاء وجود زعامات شعبية مؤهلة لقيادة الثورات لربما لحقت دول أخرى بتلك الثورات وتغير المشهد بشكل عام.
لذلك سعت الدول الغربية التي تقودها الولايات المتحدة وبريطانيا الآن إلى استخدام خطط جديدة تقوم على إجهاض الحلم العربي بالتحرر من الأنظمة الاستبدادية القمعية وإجهاض ثورات الربيع العربي إلى أجل بعيد، وذلك عبر إذكاء نيران العرقية والطائفية والمذهبية وقد بدأ تطبيق هذه الخطة مع الاحتلال الأميركي للعراق في العام 2003 حينما تم حل الجيش العراقي وأسس بريمر مجلس الحكم على أساس طائفي كرس للطائفية التي دمرت العراق ولازالت حتى الآن، كما كان الصمت عن جرائم الأسد في سوريا والسماح بتشكيل نظام طائفي تحت غطاء إيراني شيعي يحارب بقية الشعب السوري السني تكريسا لما بدأ في العراق في العام 2003، وسرعان ما تم فتح الملفات الطائفية في كل من السعودية والبحرين والكويت مع إذكاء الفتنة الطائفية في الدول التي يوجد بها مسيحيون مثل مصر، حيث أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نفسه في الأسبوع الماضي حاميا لحمي المسيحيين في الشرق في خطوة غير مسبوقة من زعيم غربي منذ الحروب الصليبية، ومع إعلان الأكراد قيام دولتهم على أسس عرقية فقد شجع هذا كل الطوائف الموجودة في المنطقة لاسيما في منطقة العراق وسوريا وبلاد الشام بشكل عام على أن يسعى كل منهم ليقيم دويلته ضامنا لدعم إسرائيلي أميركي وربما إماراتي لأي كيان جديد يفتت كيان الأمة، إنها مرحلة ربما تكون أسوأ من كل ما مضى إذا حقق الأميركان والبريطانيون وحلفاؤهم في المنطقة أهدافهم ببدء عصر الدويلات المذهبية والطائفية.

بقلم : أحمد منصور

أحمد منصور