كتاب وأراء

أخطر ما في القرار

بعد التهنئة الواجبة للأخوات السعوديات، أن منّ الله عليهن، فلحقن- أو في طريقهن- للحاق بركب جميع نساء الأرض تقريبا، في التمتع بحق قيادة السيارة، وتمنياتنا لهن بمزيد من نيل الحقوق، من حق المتابع أن يسأل عما إذا كان حظر قيادة السيارة على السعوديات، ينطلق من رؤية اجتماعية، أم من فتوى دينية؟.
ليس ثمة من يشكك، في أن أوامر المنع في إطار السياق الاجتماعي والإطار التنظيمي للسلوك العام، وإنما صدرت التزاما برأي فقهي واضح وقاطع، تؤكده العديد من الفتاوى، المشفوعة بالأدلة، والممهورة بتواقيع وأختام لكبار العلماء.
أعلم بالطبع، أن الفتوى قد تتطور بتطور الزمن، وتتغير لمقتضيات العصر، خصوصا إذا لم تكن تتعلق بما هو قطعي أو معلوم من الدين بالضرورة.
لست بصدد مناقشة صحة الفتاوى القديمة، التي لم أعتقد بصحتها يوما، وإنما ما حدث كان كاشفا، وليس منشئا.
كان كاشفا لذلك الاستغلال السيئ للعلماء وللفتوى، فالمجتمع هو المجتمع، والعصر هو العصر، ومن غير المعقول أن يصير الممنوع مباحا، والحرام حلالا، خلال إيام، إذن فالمتغير الوحيد هو أن أمرا عاليا قد صدر، وهو ما يسوّغ لنا أن نسأل عن مدى استقلالية العلماء ورجال الفتوى ومدعي الليبرالية والدفاع الحريات، عن السلطة السياسية. فاللافت أن الذين وافقوا بالتحريض والشماتة، أو حتى الصمت، على قرار إجازة جلوس المرأة السعودية خلف مقود السيارة، وافقوا أيضا، تحريضا وشماتة وصمتا مريبا ومعيبا، على وجود زملاء لهم من العلماء والناشطين خلف قضبان السجن، فيما كان القاسم المشترك بين الموافقتين هو القرار السياسي. وفي الحالتين كان الحلال والحرام موجودا، ومصلحة الوطن حاضرة، تماما كما كانت حاضرة من قبل في تحريم القيادة والتحذير منها، باعتبارها شرا مستطيرا، ورجسا من عمل الشيطان، قبل أن تتحول إلى حلال مطلق، ومصلحة اجتماعية واجبة النفاذ.
إن أخطر ما في قرار قيادة المرأة السعودية للسيارة هو ذلك الكشف الفاضح لتسييس الفتوى، وكذلك معيار الحرية والوطنية الخاضع لقرار السلطة، المتلون بلونها، والمستجيب لقراراتها النابعة من الداخل، أو المستجيبة– وربما الخاضعة أنسب– للخارج.

بقلم : محمود عيسى

محمود عيسى