كتاب وأراء

كردستان دولة بلا أوكسجين

- 1 -
بعض الشعوب تعيد إنتاج الأخطاء والمآسي، ولا تستفيد من تجارب الآخرين وعِبَر مسيرهم.
أمس انفصلَ إقليمُ جنوب السودان عن الدولة الأم، واليوم تمضي كردستان العراق على نفس الطريق، وبذات الحماس. غداً – بغضِّ النظر عن رفض حكومة مدريد- ربما يُقرِّرُ إقليم كتالونيا مصيره باختيار الانفصال عن دولة إسبانيا. وأقاليم ومقاطعات هنا وهناك قد تغريها المغامرة.
كُنَّا نُتابع مساراتِ انفصال دولة جنوب السودان، في كُلِّ مراحل الحرب وجولات التفاوض. لم يكن أكثر المتشائمين يتوقع أن تكون النهايات على الوجه المأساوي الذي آلت إليه الأوضاع الآن في دولة سلفاكير!
جاءت نتائج استفتاء تقرير مصير جنوب السودان بتصويت 98.83 بالمائة من إجمالي الناخبين للانفصال، فيما اختار 1.17 بالمائة الوحدة.

- 2 -

هي أفراحُ أيامٍ وشهورٍ وأغانٍ وشعاراتٍ بقرار الانفصال عن دولة السودان، ولكن سرعان ما ساء الوضع، واستيقظت الفتن ونشب الخلاف والصراع بين رفقاء الأمس، على كيكة السلطة والثروة.
تضعضعت مقاعد السلطة وتبدَّدَتْ الثروة، ولم يبْقَ غير طائر الشؤم ينعق نشيد الخراب.
حربٌ طاحنةٌ لا تُبقي ولا تَذَر، آلاف القتلى والمُعاقين، وأكثر من مليونَي نازح، والمجتمع الدولي لا يملك سوى التهديد والوعيد مع العجز عن الفعل.
الحرب تجاوزت الصراع على المقاعد إلى صراع قبلي، من أجل الوجود والقضاء على الآخر، فكانت جرائم الحرب ومشاريع الإبادة.
صراعٌ شرسٌ تُذكيه طموحات السياسيين وأطماع الجنرالات وأساطير البسطاء وعجز المجتمع الدولي.

- 3 -

الآن يُعاد ذات السيناريو الأليم في دولة عربية أخرى عراق الرشيد ودجلة والفرات وحدائق بابل.
قبل أيام قلائل، أعلنت المفوضية العليا للانتخابات، نجاح عملية الاستفتاء حيث أيَّدَ الأكراد عملية الانفصال، وبلغ عدد المصوتين بـ«نعم» 92%، وحوالي 7% صوتوا بـ«لا».
كل المؤشرات تؤكد أن الأوضاع في كردستان العراق ستكون أسوأ من أوضاع في دولة جنوب السودان.
استفتاء دولة جنوب السودان، وما ترتب عليه من نتائج، وجد تأييداً ومؤازرةً كبيرةً من كل الأطراف.
كانت الدولة الأم (السودان) بقيادة الرئيس عمر البشير أول من اعترف بنتائج الاستفتاء ومولد الدولة الجديدة.
كل دول الإقليم سارعت للاعتراف بدولة جنوب السودان وتبارت في تقديم يد العون لها.
الدول الكبرى في مقدمتها، الولايات المتحدة، وجميع الدول الأوروبية، لم تؤيد فقط مولد الدولة الجديدة، بل شجعت على الخطوة ووفَّرت لها الغطاء والحماية الدولية.

- 4 -

أما نتائج استفتاء كردستان العراق، فوجدت نقيضَ ما وجده استفتاء جنوب السودان، الذي تم تحت رقابة دولية لصيقة وتشجيع من قبل تلك الدول على خيار الانفصال.
لم تَحْظَ نتائج استفتاء كردستان بأدنى تأييد من دول الإقليم، ولا من الدولة الأم (العراق)، وقُوبِلَتْ النتائج بتحفُّظ من الدول الكبرى.
الرئيس العبادي رفع على الفور عصا العقوبات، وقرَّرَ إيقاف الرحلات الجوية من إقليم كردستان العراق وإليه، على أن يظل الإيقاف سارياً لحين خضوع مطارَي أربيل والسليمانية للسلطة الاتحادية.
السلطات الإيرانية أوقفت نقل المشتقات النفطية من إقليم كردستان العراق وإليه.
تركيا وإيران تتفقان على موقف واحد وهو الرفض والمناهضة، حيث أعلن رئيس الأركان العامة في القوات المسلحة الإيرانية اللواء محمد باقري، من أنقرة، أن استفتاء كردستان سيُشكَّل أساساً لبدء سلسلة من التوترات والمواجهات داخل العراق وستطول تداعياتها دول الجوار.
أما أميركا فقد اختارت موقفاً بين التحفظ والرفض، حيث قال المتحدث باسم البيت الأبيض جوش إرنست: «الواقع هو أننا لا نزال نعتقد أن العراق أقوى إذا كان متحداً».
جامعة الدول العربية قالت إن الاستفتاء «لا يخدم مستقبل العراق».

-أخيراً-

دولة وليدة مُحاصَرةٌ بكُلِّ هذا الرفض والعداء الذي يقطع عنها ماء وأوكسجين الحياة، كيف لها العيش والبقاء وتجنُّب مصير الفشل والسقوط في قاع الفوضى والخراب؟!!

بقلم : ضياء الدين بلال

ضياء الدين بلال