كتاب وأراء

من حماقات الحصار

العلم من أعظم نعم الله على الإنسان منحه له الله ومدحه وحث عليه، وتحفيزا لذلك كرم أهله وأمر ببذل العطاء لهم، ورفع درجاتهم، لأنه ينقل المجتمعات من ظلمات الجهل إلى نور المعرفة، ومع ذلك ترتكب دول الحصار كل يوم حماقات تلو الحماقات في حق العلم وأهله، تصل إلى مرتبة الحرام شرعا، آخرها منع طلاب العلم، الذين بدأوا الدراسة هناك قبل الأزمة، من مواصلة تعليمهم في المراحل الدراسية المختلفة، بدءا من المرحلة الجامعية، وانتهاء بالدكتوراه، مرورا بشهادات الدبلوم والماجستير، ولم نسمع من قبل دولة منعت طلاب العلم من مواصلة تعليمهم غير إسرائيل، التي تعرقل سفر الطلاب الفلسطينيين إلى الدول التي يدرسون بها، ولها تاريخ في تعقب العلماء، وهكذا بكل بساطة ارتضت دول الحصار أن تكون في حظيرتها.
تصرف غير حضاري من هذه الدول الشقيقة ضد طلاب كل هدفهم في الحياة أن يكونوا مواطنين صالحين، ينفعون أنفسهم وأهليهم ومجتمعهم بل وأمتهم العربية والإنسانية، أفلا تعلم دول الحصار والحالة هكذا أنها سدت طريقا من طرق الجنة؟ لأن من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة، والدول الشقيقة بفعلتها المشينة هذه تحاول سد الطرق إلى الجنة.
إنني وغيري لنشعر بفداحة الحالة النفسية التي ألمت بهؤلاء الطلاب جميعا الذين ساقهم حظهم إلى الدراسة في هذه الدول، فكل طالب علم يتطلع هو وأهله إلى ذلكم اليوم الذي يكمل في دراسته ويتحصل على شهادته، ويعود مواطنا صالحا يخدم مجتمعه فإذا بهذه الحماقة من دول الحصار تنزل عليهم كالصاعقة، لذلك يتوجب على إعلامنا تركيز الضوء على قضيتهم، وإحاطة الرأي العام العالمي بأن أذى دول الحصار طال أجَلَّ ما يسعى إليه الإنسان في حياته، فلا يعقل أن تأخذ دولتهم زمام المبادرة لتعليم سبعة ملايين طفل حول العالم ثم يجري لأبنائها ما يجري من حرمان علمي.
المفروض والطبيعي أن يكون طلاب العلم موضع ترحيب بصرف النظر عن الخلافات السياسية، خصوصا وأنهم لا يتعلمون على نفقة تلك الدول التي تعرقل مشاريعهم، بل تتقاضى الجامعات التي يلتحقون بها مبالغ مالية ضخمة كرسوم دراسة، تساهم في تطوير هذه الجامعات والمعاهد والأكاديميات، كما أن الدول العصرية تعتبر الطلاب الوافدين إليها سفراء لها، إذا ما لقوا اهتماما من مؤسساتهم العلمية ومعلميهم ومن زملائهم، فلا شك أنهم يعودون إلى بلادهم بعد اكتمال تعليمهم وهم يحملون ذكريات جميلة وانطباعات إيجابية عن هذه الدول التي درسوا بها.
نحن على ثقة أن قيادتنا الحكيمة وحكومتنا الرشيدة قادرة على حل هذه المعضلة من خلال الملحقيات التعليمية والثقافية، وإذا تحجرت مواقف دول الحصار ضد هؤلاء الطلاب، وهو الأرجح، نتمنى في هذه الحالة أن يصدر قرار باستيعابهم في جامعة قطر والجامعات الأخرى الموجودة على أرض قطر، وأن تشكل لجان لطلاب الماجستير والدكتوراه لإجازة بحوثهم ودراساتهم، فنحن قد تحدينا الحصار ونجحنا، وحاصرناه واستطعنا، فلن نعجز عن حل هذه المشكلة لطلابنا، وسنواصل التعلم امتثالا لتوجيهات أميرنا «تميم المجد»، في خطاب الثبات، فقد صدق من قال تعلموا العلم فإن تعلمه خشية، وطلبه عبادة، والبحث عنه جهاد، وبذله لأهله قربة، وهو الأنيس في الوحدة، والصاحب في الخلوة، والصبر على الضراء والسراء، يرفع الله به أقواما في الخير فيجعلهم سادة هداة يقتدى بهم، وصدق الشاعر إذ قال:
العلم يبني بيوتا لا عماد لها
والجهل يهدم بيوت العز والكرم

بقلم : آمنة العبيدلي

آمنة العبيدلي