كتاب وأراء

من يفسد الطبخة على خطة غسان سلامة؟

اختار غسان سلامة المبعوث الأممي الجديد لحل الأزمة الليبية منهجا مختلفا عمن سبقه من مبعوثين لعله ينجح فيما فشلوا فيه، فلم يذهب إلى هناك بأفكار مسبقة معلبة تعكس التصور المثالي من جانب المجتمع الدولي في مثل هذه الأزمات، وبدلا من ذلك ذهب إلى كل الأطراف الليبية دون إقصاء لأحد واستمع إلى تصور كل منهم لأسباب الأزمة وطريقة العلاج من وجهة نظره.
فكرته التي نقلتها وكالات الأنباء وبعض المواقع ضمن تصريحات صحفية له، هي أن يجمع الليبيين حول هوية وطنية واحدة، دولة واحدة للجميع، من خلال حوار سلمى يشارك فيه الكل بمن فيهم الملكيين والقذافيين وخصوم النظام القديم بما يمكن من التوصل إلى توافق وطني حول المطالب وترجمة هذا التوافق في خطوات دستورية.
ووفقا لرواية غسان سلامة فقد توصل إلى نتيجة من النقاشات التي أجراها هي أن هناك عدد كبير من الليبيين يريد إجراء تعديلات في اتفاق الصخيرات من شأنها أن تساعد في عقد المؤتمر الوطني العام الذي تمت الدعوة إليه عام 2011 ولم ينعقد، ومهمته وضع المبادئ الأساسية التي تبنى النظام السياسي المنشود لليبيا ووضع نهاية سعيدة لأزمتها. هذا إلى جانب ضرورة الاستفتاء على الدستور الذي كان قد تم وضعه من جانب الهيئة الدستورية، ووضع قانون جديد لكل من الانتخابات البرلمانية والرئاسية.
نصف الكوب الممتلئ في خطة غسان سلامة يشير إلى أنها يمكن أن تحدث اختراقا في الأزمة، فهو يتمتع بقبول من كل القوى الليبية، يطرح تصوره للحل من واقع ما سمعه وشاهده في جولاته بما يعنى أن ما يقوله هو لسان حال الليبيين أصحاب القضية الأساسيين، ومن ثم من المفترض أن يحظى طرحة بقدر كبير من الثقة والمصداقية.
ولكن نصف الكوب الفارغ فيه من العقبات ما يؤخر الحل إن لم يكن يجهضه مع أول اختبار.لنا أن نتذكر أن غسان سلامة كان قد أعرب عن انزعاجه من كثرة الوساطات في الأزمة لأنها تؤدى إلى مزيد من تخندق الفرقاء الليبيين كل عند موقفه طالما يرى في وساطة طرف ما فائدة له.. ومن جهة أخرى لا يبدى المبعوث الدولي قلقا من الوضع الأمني في البلاد حيث يصفه بالهش وليس بالمتدهور. ولكن الواقع يقول عكس ذلك لأن الفرقاء يتحصنون بأذرعهم المسلحة، والجماعات المسلحة تتحرك باستقلالية لا تريد أن تفقدها. وفي ظل هذا الوضع تبدو خطة سلامة عن توحيد المؤسسات المنقسمة موضع تساؤل أو مشكوك في إمكانية تحقيقها.
يراهن المبعوث الدولي على النيات الطيبة للقوى الليبية التي التقاها، وعلى غضب الشارع المتزايد نتيجة الوضع السياسي المتحجر وتدهور الحالة الاقتصادية، قناعة من جانبه أن هذا وذاك يفرض على الفرقاء أن يلتزموا بالخطوات التي يقترحها للخروج من الأزمة. وإذا سارت الأمور على هوى ما يخطط له فإنه سيقول للعالم ما معناه أنه بين يديه حلا ليبيا خالصا. وعند هذه النقطة سيصبح بإمكانه اللجوء إلى ما كان الليبيون يرفضونه دائما وهو «التدخل الدولي». يستطيع أن يسوق الدعوة عند الليبيين في هذه الحالة على أساس أن الحل ليبي في الأصل ولكن تطبيقه يفرض الاستعانة بالدور الدولي، ووقتها لا مبرر ليبيين في الاعتراض.
كثير من المبعوثين الدوليين في أزمات مختلفة أخفقوا نتيجة أنهم لم يجدوا تعاونا معهم من الأطراف المحلية أو الأطراف الدولية والعكس صحيح أي تحقيقهم نجاحا في حالة وجود هذا التعاون أو ذاك. وقد فشل من سبقوه لأنهم لم يجدوا تعاونا من الأطراف الليبية، واليوم فإن غسان سلامة تمكن من وضع قدم في مربع التعاون من جانب الليبيين معه، وبقي أن يجد تعاونا أكبر من جانبهم ليضع القدم الأخرى، ودون ذلك لن يتمكن من استكمال المهمة مع الأخذ في الاعتبار أنها لا تزال في بداية الطريق.
بقلم : د. عبدالعاطي محمد

عبدالعاطي محمد