كتاب وأراء

ميركل .. فوز بطعم الخسارة

الحدث الألماني الأخير، زلزالٍ سياسيٍ كبير، مع اعلان نتائج الانتخاباتِ التشريعيةِ في المانيا الاتحادية، فحزب المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، الحزب الديمقراطي المسيحي يفوز لفترةٍ رابعةٍ، فوزاً ضعيفاً مُتخماً بطعمِ الخسارةِ، فيما مُني الحزب الاشتراكي الديمقراطي بهزيمةٍ، وقد بات على الأرجح في صفوف المعارضة، وحقّق بالمقابل اليمين المُتطرف وبقايا الاتجاه النازي العنصري (الشعبوي الجيرماني) نتيجة تاريخية، هي الزلزال السياسي الذي قصدناه. وهي العودة الأولى لتيارٍ نازي إلى الــ «بوندستاغ»، وللمرة الأولى منذ أكثر من سبعين عاماً بعد انتهاء الحربِ الكونيةِ الثانيةِ، ليصبح الآن ثالث أقوى حزب في البرلمان في خطوةً تاريخية إلى الوراء بالنسبة إلى المجتمع الألماني، فأشباح الماضي تعاود الكَرَّة الآن في المانيا.
ومع فوزه، من خلال قَضَمَ أجزاء من أصوات الأحزاب الألمانية، لا سيّما الحزبين المسيحي الديمقراطي والاشتراكي، رَفَعَ حزب «البديل من أجل المانيا» اليميني المُتطرف والنازي الجديد أيضاً، والمعادي لأوروبا وللمسلمين واللاجئين الوافدين، من عقيرة أصوات قادته، فتعهد رئيس لائحته الإنتخابية الكسندر غولاند بــ «تغيير البلد ومطاردة أنجيلا ميركل»، والتي باتت الآن تخوض معركةٍ ليست باليسيرةِ من أجلِ تشكيلِ الحكومةِ. وزاد بعض قيادييه من تطرفهم من خلال دعوتهم الألمان إلى «أن يكونوا فخورين بممارسات جنودهم خلال الحرب العالمية الثانية».
إذاً، الزلزال السياسي في الانتخاباتِ النيابيةِ الألمانيةِ، يتمثّل بدخول اليمين المُتطرف إلى البرلمان الاتحادي الألماني (بوندستاغ)، وهو دخول يُشكّل عملياً «تحدياً هائلاً» أمام زعامة أنجيلا ميركل، التي خَسِرَت من جمهورها لصالح التصويت له. فعلى رغم حلول حزب ميركل في المرتبة الأولى، إلاّ أنه خَسِرَ نحو (7.6%) من الأصوات مقارنة بنتائج انتخابات العام 2013، فيما سجّل الحزب الإشتراكي أسوأ نتيجة منذ عام 1945، بخسارته (5.7%) من الأصوات.
لقد نال الحزب المسيحي الديمقراطي بين (32.5% إلى 33.5%) من الأصوات، متقدماً على الحزب الاشتراكي الديمقراطي الذي نال نحو (20% إلى 21%)، و«حزب البديل من أجل ألمانيا» (13%)، وقد تفوّق على اليسار الراديكالي (9%)، والليبراليين نحو (10%)، وحزب الخضر نحو (9%).
نجحت أنجيلا ميركل خلال فترات قيادتها للدولةِ الألمانيةِ، في تنمية الاقتصاد وجعل ألمانيا دولةٍ اجتماعيةٍ، وأن تبقى في الاتحاد الأوروبي كدولةٍ فاعلةٍ ورئيسيةٍ، لكنها ومع ذلك تراجعت في حظوظها الانتخابية عندما استغل حزب اليمين الألماني المُتطرف «حزب البديل من أجل المانيا»، ومعه حزب «الديمقراطي الحر» مسألة تدفق اللاجئين إلى المانيا خلال السنواتِ الأخيرةِ في تحريضِ الشارعِ، وفي ايقاظِ النزعاتِ العنصريةِ ضد الأجانبِ والمهاجرين، وخاصة المسلمين من سوريا والعراق وغيرهما، للطعن بسياسات انجيلا ميركل وحزبها، وقد تم توجيه الإتهام لها بممارسة سياسة الباب المفتوح، والتي أدّت إلى دخول نحو مليون لاجىء جلهم من المسلمين، من سوريا والعراق.
وفي التقدير الراهن، تواجه أنجيلا ميركل التي حققت فوزاً صعباً مُطعّماً برائحة الخسارة، وسط صعود اليمين المُتطرف المعادي للهجرة، تواجه صعوباتٍ كبيرةٍ في تشكيلِ الحكومةِ، ويُرجّح أن تسعى إلى ائتلافٍ حكومي مع الحزبين الليبرالي والخضر، وقد يكون الحزب الاشتراكي جزءاً من الائتلاف حال وضع نفسه في موقع اللامعارض، حيث يتبين أن جزءاً مهماً من قيادييه يرغب في التموضع بصفوف المعارضة والنأي عن المشاركة الائتلافية مع حزب أنجيلا ميركل بعد تراجعه.

بقلم : علي بدوان

علي بدوان