كتاب وأراء

قطار الثورة الصناعية الرابعة قادم

في بداية هذا العام (يناير 2017) قام البروفيسور كلاوس شواب - المؤسس والرئيس التنفيذي للمنتدى الاقتصادي العالمي (دافوس)، والذي يعتبر رمزا للباحثين في شؤون العولمة لأكثر من أربعة عقود- بنشر كتاب «الثورة الصناعية الرابعة». ولعلني لا أبالغ إذا قلت أن هذا الكتاب من الثراء الفكري والاستشراف المستقبلي بمكان يجعله من أهم الكتب التي تم نشرها خلال المائة عام المنصرمة.
ويمكن للقارئ لكتاب شواب أن يخرج باستنتاجات متباينة، ولكن من المؤكد أنه سيتفق مع الكاتب في ان الثورة الصناعية الرابعة والتي نحن على أبوابها «ستختلف عن الثلاث السابقات اختلافا جوهريا». فهي ستخلق مستقبلا واعدا ولكنها ايضا ستخلق أخطارا وتحديات جمة لابد من مواجهتها بصورة جماعية حتى يتم توجيه هذه الثورة لما فيه رخاء ورفاهية البشرية، وحتى يتم تجنب ما يمكن وصفه بالآثار الجانبية السلبية والجسيمة.
في البداية يجب أن نوضح أن الثورة الصناعية الأولى، والتي يؤرخ لها بالفترة بين 1760 و1820، والتي بدأت في إنجلترا ثم انتقلت إلى غرب أوروبا، ومنها إلى جميع أنحاء العالم. وتميزت باختراع المحرك البخاري ومن ثم عرفت بثورة النقل واختراع الماكينة التي جعلت انتشار صناعة النسيج وصناعة الحديد رمزا للتقدم في حينها. هذه هي الفترة التي بدأت فيها المجتمعات الريفية الزراعية في التحول إلى مجتمعات صناعية وحضرية.
أما الثورة الصناعية الثانية والتي يؤرخ لها بين 1870 و1914، قبل الحرب العالمية الأولى. فهي فترة الإنتاج الغزير. فلقد بدأ استخدام الآلات الحديثة في الزراعة لتبدأ ثورة خضراء أدت إلى الاستغناء عن أعداد كبيرة من العمال الزراعيين. ومع تقليص حجم العمالة في القطاع الزراعي تم انتقال الملايين كأيد عاملة رخيصة مكنت من استمرار النمو والإنماء في القطاع الصناعي. ونمت صناعات جديدة مثل الصلب والزيت والكهرباء، واستخدمت الطاقة الكهربائية لخلق الإنتاج الضخم. وشملت التطورات التكنولوجية الرئيسية خلال هذه الفترة الهاتف والمصباح الكهربائي والفونوغراف ومحرك الاحتراق الداخلي والسيارات بشكلها الحالي.
والثورة الصناعية الثالثة أو (الثورة الرقمية) التي بدأت بوادرها في الستينيات باختراع الحاسبات الآلية وما زلنا نعيشها إلى اليوم. هذه تعني التقدم التكنولوجي الخاص باختراعات الأجهزة الإلكترونية والميكانيكية التناظرية إلى جانب التكنولوجيا الرقمية المتاحة. وتشمل كذلك التطورات الخاصة بالحاسوب الشخصي، والإنترنت، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات وانتهاء بالأجهزة الذكية (من تليفونات إلى تليفزيونات وسيارات..).
أما الثورة الصناعية الرابعة والتي نحن بصددها، فهي تتميز بالتكنولوجيات الجديدة التي تدمج العالمين الرقمي والبيولوجي، وستؤثر على جميع التخصصات والاقتصادات والصناعات، وستفعل ذلك بمعدل لم يسبق له مثيل. وتتوقع بيانات المنتدى الاقتصادي العالمي أنه بحلول عام 2025 سوف نرى: الاستخدام التجاري لمواد النانو تكنولوجي. رقائق (مواد) جديدة أقوى من الصلب 200 مرة وأخرى أرق من شعرة الإنسان مليون مرة! سنرى أول عملية زرع للكبد المنتج بواسطة طابعة ثلاثية الأبعاد. أكثر من 20% من جميع السيارات على بعض الطرق الأميركية والأوروبية تعمل بدون سائق. انتشار أجهزة الحوسبة الفائقة النقالة والروبوتات الذكية في كل مكان. تحسينات الدماغ العصبية والتكنولوجيا الحيوية والتحرير الجيني وتطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تجعل الآلة لأول مرة تقوم بما كان يعتبر من صميم العمل البشري الإنساني وتقوم به بصورة أفضل (التفكير والتحليل والقدرة على الحكم على الأشياء ومن ثم التنبؤ واتخاذ الاجراءات الوقائية المناسبة لما يمكن ان يحدث في المستقبل).
البروفيسور شواب مقتنع في كتابه بأننا على أبواب هذه الثورة والتي ستغير بشكل جذري طريقة معيشتنا وطريقة عملنا وطريقة تواصلنا وارتباطنا ببعضنا البعض. وفي رأيه أنه يجب «على الحكومات والشركات والمجتمع المدني والأفراد» العمل المشترك لمواجهة هذه التغيرات الهائلة. هناك إجماع على أن هذه الثورة سيستفيد منها القليل وستضر الكثير. التوقع القائم الآن أنه يمكن لـ 40% من الوظائف الحالية أن تختفي بعد أقل من عشر سنوات.
ومن ثم التحدي الذي يواجه دولنا العربية في خضم هذا التحول والتغير الهائل والذي يحدث بسرعة فائقة ولا يمكن معها توقع ما سيكون عليه العالم خلال فترة العشر سنين القادمة: هل نحن مستعدون لمواجهة مثل هذه التغيرات والتكيف أو التعايش معها؟ الإجابة الواضحة سلبية بالطبع. ماذا نحن فاعلون؟ للحديث بقية.
بقلم : د. حسن يوسف علي

حسن يوسف علي